الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الحجر المنزلي والحالة النفسية «بين فرانكل وابن تيمية»

الحجر المنزلي والحالة النفسية «بين فرانكل وابن تيمية»

الحجر المنزلي والحالة النفسية 
«بين فرانكل وابن تيمية»

د. محمد العنزي اختصاصي علم النفس
نحاول الهرب أحياناً من بعض الالتزامات في حياتنا، وفي الحقيقة أن الهرب بحد ذاته تقييد وليس حرية، لأننا عندما نحاول الهرب من بعض تلك الالتزامات فنحن في حقيقة الحال نحصر أنفسنا في زوايا القلق الدائم، ولو واجهنا الواقع وتعاملنا مع الالتزامات تعاملاً مناسباً لكنا سعداء ومرتاحي الضمير.
سأذكر لكم قصة عن عالميْن من العلماء العالم الأول عالم نفسي والثاني عالم ديني.
العالم الأول هو فيكتور فرانكل، كان في سجون الزعيم الألماني هتلر، وتحدث في كتابه: البحث عن المعنى، عن أقسى الظروف والأحوال في السجن التي يستحيل أن يتعايش معها إنسان، لكنه كان يرى الإرادة هي العامل الحقيقي للصحة وطول العمر وأن الحرية ليست بأن يذهب الإنسان إلى أي مكان يريد بل هي إدراكه لمعنى وجوده وهي تحرّره من الأثار والأحكام التي يثقل بها الإنسان تفكيره، أما العالم الديني فهو الشيخ الدمشقي أحمد بن عبد السلام بن تيمية، الذي كان يقضي أيام السجن في تأليف الكتب ولما تمت مصادرة هذه الكتب ووسائل الكتابة منه، اخترع طريقة في التأليف وهي بالكتابة بالفحم على جدران السجن، كان يرى أن الحرية بالدرجة الأولى هي حرية النفس والإرادة وكان يقول:‪ ‬ أنا جنتي وبستاني في صدري.
الإنسان بطبيعته لا يحب أن يقيدّه شيء، الحرية من أكثر الأشياء التي تجعله يشعر بالراحة والأمان، لكن شعوره بالحرية يجب أن يكون حسب فرانكلين من داخله وليس فقط من الظروف المحيطة من حوله.
انطلق إلى سماء الحرية، لا تتصور الحرية تتعلق بأشياء تخص الخروج من المنزل أو تخص السفر، هذا التصور ضيق ويمنعك من أن ترى الحياة بطريقة أجمل، هذه الأوقات مناسبة جداً للرجوع إلى أشياء انشغلت عنها فترة من الزمن، مثل القراءة فهي بحد ذاتها سفر، هاتفك الجوال هو وسيلة أخرى للتعرّف على طرق للسعادة وبلاد وجزر بعيدة ومعلومات مهمة، وبنفس الوقت لا تجعل جوالك مصدراً للإزعاج عبر الافراط بمتابعة الأخبار وخصوصاً أخبار مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تجعله أيضاً يمنعك من شعورك بالسعادة من جلوسك مع عائلتك، ولا تسمح له أيضاً أن يكون سبباً في المشاكل في صحتك أو في عملك أو في دراستك.
في بعض الأحيان نحن نعتبر بعض الأشياء مقيدة لحريتنا وهي في الحقيقة طريق للحرية، كنت أتساءل مثلاً لماذا تُعدّ الزكاة من أركان الإسلام الأساسية، اكتشفت أنها طريق أيضاً للحرية، فعندما تقرّر أنك تزكي بعضاً من أموالك فأنت في الحقيقة تقرّر أن تكون أنت سيد المال، وليس هو سيدك وتقرّر أن لك تأثيراً على حياتك وليس المال الذي يتحكم بحياتك.
وفي حالة كالحال التي نحن فيها والتي تلزمنا بالبقاء في المنازل، تظهر جليةً دعوة فرانكل وابن تيمية بأن يرى الفرد معنى حريته الحقيقي، وأن لا شيء يقيّده إذا كانت نفسه متمسكة بالإرداة، وإذا كانت نفسه تسعى إلى أن توجد معنى لحياتها.
إذا كنت تشعر بالضغط في البقاء في المنزل، فحاول أن تتعلم التكيّف مع الوضع، بأن تبقى ودوداً أطول وقت تستطيع، لأنك بذلك سوف تشعر بشعور أفضل بكثير من أنك تبدو مكتئباً وضجراً من الوضع وأنت في الأخير ستبقى في البيت.
توصيات مفيدة جداً في موضوع الحجر المنزلي من عالم الصحة السلوكية ‪Dr. David Cates‬ من الرابطة الأميركية لعلم النفس حيث يقود الدكتور توجهاً نفسياً جديداً تجاه التبعات النفسية من عدوى كورونا ‪COVID19 فيوصي بأن يشعر الفرد المتواجد في الحجر الصحي بالتحكم والتأثير، وأن يسعى إلى تنشيط الانفعالات الإيجابية، وبأن يسأل الفرد نفسه أسئلة في نهاية اليوم: كيف أحافظ على نشاطي؟ هل استطيع تحقيّق تغيراً إيجابياً؟‬
للحرية مدلولات أوسع مما يتصور البعض، المسؤولية مثلاً من الأشياء التي تدل عليها الحرية، يقول صاحبنا فيكتور فرانكل:
«أوصي بأن يلحق بتمثال الحرية تمثال من المسؤولية على جانب الساحل الغربي».
ابحث عن ذاتك وحاول ان تستشعر ما هو المعنى من وجودك، يساعدك ذلك على التحمل خلال الفترات الأكثر تحديًا.
والآن ولكي تجد المعنى الخاص بك في الحياة، اسأل نفسك هذه الأسئلة:
1. لماذا أنت تعيش ؟
2. من يعتمد عليك، ولماذا؟
3. على من تعتمد، ولماذا؟
4. كيف يمكنك مساعدة الآخرين في مجتمعك والعالم؟
5. كيف تعتني بنفسك؟
6. كيف توفر لنفسك ولعائلتك؟
7. ما الذي أنت شغوف به؟
8. ماذا تحب أن تفعل؟
هذه الأسئلة هي بداية الشعور بمعنى وجودك، وكلما أحسست بذلك كلما زاد شعورك بالحرية مهما كانت الظروف.

الصفحات