الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  فقالوا : نحن المُتَوَكِّلون!

فقالوا : نحن المُتَوَكِّلون!

أدهم شرقاوي
كما يرزقُ الطير!
حجَّ عُمر بن الخطاب في سنةٍ من سنوات خلافته، فلقيَ أُناساً قد جاؤوا إلى الحجِّ بغيرِ زاد، وإذا هم يستعطون الناس، فسألهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن المُتَوَكِّلون..
فقال لهم: بل أنتم المُتَّكِلون، إنما المُتوكل الذي يُلقي حبةً في الأرض، ويتوكَّل على الله!
يُخطئُ كثيرٌ من الناس في فهم التوكُّل على الله سبحانه، ويحسبون أنَّه ترك الأخذ بالأسباب، ناسين أو مُتناسين أن هذه الأسباب إنما هي واقعة في قَدَرِ الله، وأن الله سبحانه قد وضع لهذا الكون سُنناً ونواميس على المرء الأخذ بها ما استطاع، ثم بعد ذلك يضع يقينه على الله أنَّ هذه الأسباب لا تضرُّ ولا تنفع حتى يأذن الله سبحانه!
نعم نُؤمن أنَّ الله هو الشافي ولكن من الحماقة عدم قصد الأطباء وطلب العلاج!
ونُؤمن أن الله هو الرزاق ولكن من الحماقة عدم الذهاب إلى العمل!
كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أكثر الناس يقيناً بالله، ولكنه في المُقابل كان أكثر الناس أخذاً بالأسباب، فيوم الهجرة اصطحبَ معه دليلاً يدُلُّه على الطريق إلى المدينة ولم يقُلْ أنا نبيٌّ وسوف أصل على أية حال!
ويوم أُحُد لبسَ دِرعين رغم أنه يُؤمن أن الأعمار بيدِ الله ولكنه أراد أن يُعلِّمنا ثقافة الأخذ بالأسباب!
وعندما كان يغزو كان يُورِّي في مسيره، بمعنى أنه إذا أراد أن يُحارب قوماً سلكَ طريقاً مُغايِراً حتى يُفاجِئ العدو، رغم أنه يُؤمن أن النصر من عندِ الله!
نعم علَّمنا النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ الله وحده هو الذي يُحيي ويُميتُ ويرزقُ ويشفي ويُعطي ويمنع، فقال: «لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزقُ الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً»..
ولكنه بالمُقابل علَّمنا أن الدُّنيا دار أسباب.. فالطُّيور لا تبقى في أعشاشها تنتظرُ رزق الله تعالى لتملأ بطونها، وإنما تخرج مُبكرة، تبحث عن الحَبِّ الذي يسدُّ جوعها، فلا يقع كل عصفور إلا على ما قسمه الله تعالى له من الرِّزق..
من الفهم السقيم لبعض الناس أنهم ينتظرون المُعجزات دون بذل الأسباب!
يُحدثك أحدهم كيف شقَّ موسى عليه السَّلام البحر بعصاه، وكيف التقمَ الحوتُ يونس عليه السَّلام فلم يُصبْه أذىً، وكيف أُلقيَ إبراهيم عليه السَّلام في النار فكانتْ برداً وسلاماً! وينسى هؤلاء أنَّ المُعجزات هي أمرٌ خارقٌ للعادة، يخرقُ بها اللهُ نظام الكون الذي وضعه ليُعلِّمنا أنه لا يتركُ عباده، وأن هذه الأسباب إنما تحكمُ الناس ولا تحكمه جلَّ في عُلاه..
وإلَّا فإن حاول أحدنا أن يشقَّ البحر بعصاه لقال عنه الناس مجنون! ولو ألقى نفسه في النار لماتَ منتحراً..
لا شيء أسوأ من وضع اليقين على الأسباب سوى ترك الأخذ بها..
بقلم: أدهم شرقاوي

الصفحات