الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  تأملات في القرآن

تأملات في القرآن

د. فاطمة سعد النعيمي
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
المتأمل في كتاب الله تعالى يجد فيه أسرارا كامنة لا يعلمها إلا المتدبر لآياته، والمتأمل لحال الأمة اليوم، يجد الأقبال على سماعه وتلاوته دون التدبر والعمل الذي من أجله أنزل القرآن.
فالنظر إلى صفة العفو وهي صفة من صفات الله تعالى، وهو الّذي يمحو السّيّئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور، ولكنّه أبلغ منه فإنّ الغفران ينبئ عن السّتر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من السّتر.
عن أبي بكر- رضي الله عنه- أنّه قال: «بلغنا أنّ الله تعالى يأمر مناديا يوم القيامة فينادي: من كان له عند الله شيء فليقم، فيقوم أهل العفو، فيكافئهم الله بما كان من عفوهم عن النّاس» (إحياء- الغزالي)
وطلب العفو اليوم من الشباب أسهل منه عند الشيوخ، قال مالك بن دينار: «أتينا منزل الحكم بن أيّوب ليلا وهو على البصرة أمير، وجاء الحسن، وهو خائف فدخلنا معه عليه، فما كنّا مع الحسن إلّا بمنزلة الفراريج، فذكر الحسن قصّة يوسف- عليه السّلام- وما صنع به إخوته، فقال: باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم، وذكر ما لقي من كيد النّساء ومن الحبس، ثمّ قال: أيّها الأمير، ماذا صنع الله به؟
أداله منهم، ورفع ذكره، وأعلى كلمته، وجعله على خزائن الأرض، فماذا صنع يوسف حين أكمل الله له أمره وجمع له أهله؟ قال: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾، يعرّض للحكم بالعفو عن أصحابه، قال الحكم: فأنا أقول لا تثريب عليكم اليوم ولو لم أجد إلّا ثوبي هذا لواريتكم تحته» (إحياء- الغزالي)
ألم تر إلى يوسف عليه السلام لما طلب منه أخوته أن يعفو عنهم، قال ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ ولما طلبوا من يعقوب قال ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ﴾.
فالعبرة في حال العبد بكمال النهاية لا بنقص البداية، وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الرحمين.
العفو من مظاهر حسن الخلق وهو دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام ودليل على سعة الصّدر وحسن الظّنّ، والعفو أمان من الفتن وعاصم من الزّلل وثمر محبّة الله- عزّ وجلّ- ثمّ محبّة النّاس.
نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والأخرة.
{ أستاذ التفسير وعلوم القرآن
كلية الشريعة جامعة قطر

الصفحات