الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  فلتحترقي «فيفيان لي»!

فلتحترقي «فيفيان لي»!

فلتحترقي «فيفيان لي»!

بقلم د. سعاد درير كاتبة مغربية
وأنتَ على مشارف إنهاء عبور جسر الشهرة والمجد الذي يَضربه لكَ الحظ في غير مواسمه الآيلة لإمطار يَعصر غيم الأمنيات، مِن أين لك يا صديقي أن تعاين ما بين سندان الذات ومطرقة الحياة؟!
إنها الحياة.. ! إنها لعبة الزمن الأبعد من خط فهمك بدرجات.. لِنَقل إنها الحياة التي تزين لك موعدك مع الفرح لأمتار شوقٍ تستغرق الأوقات، ثم إذا بها تَضرب (بفتح التاء) على ركبتيها لتُضربَ (بضَمّ التاء) عن وصلك منذِرَةً بما هو آت..
مصيبتك أنتَ في الحياة هي أنك تحبها أكثر من أي شيء آخَر، ومصيبتها هي أنها تَعرف جيدا مِن أين تُؤكَل كتفك أنتَ، فإذا بها تَضحك في وجهك أنت الحالف أن تزهد فيها زهد السالكين لباب الحقيقة، وإذا بها تنظر إليك نظرتها الشزراء الواعدة برجمك بالحجر والطوب أنتَ المذعن لها المنقاد إليها انقياد العبيد في غير زمن الأسياد..
الحياة.. ! الحياة ما أكثر أن تشكل نقطة ضعف مَن تستدرجهم إليها استدراج الموت إلى مقبرة الأجساد الهاربة مِن موعدها مع الطين، وهنا لك أن تختار بين عزّك وذلّك أنت المتودد إلى مرمى روحك تَوَدُّدَ العبد المسكين..
مِن هنا لم تبخل الحياة على نجمة الفن السابع الحسناء الانجليزية «فيفيان لي Vivien Leigh» بأن تَقول في جنازة عرسها الممتد على مساحة نعش الحياة كلمتَها الأخيرة، ومتى؟! وهي تسدل ستار مسرح أضواء النجومية لتفتح الباب لذيل الريح الأمَّار بالانتصار لنفسه نكاية في شهوة الحياة تلك التي تستسلم لسَوطِه استسلامَ الميت لحفَّار قبره..
إنها «فيفيان لي» صاحبة البطولة المطلَقة في الشريط السينمائي «ذهب مع الريح Gone with the Wind» ذاك الذي كتبت قصَّتَه الكاتبة الروائية الأميركية الحائزة على جائزة البوليتزر للرواية «مارغاريت ميتشل Margaret Mitchell»..
وإذا كان شريط «ذهب مع الريح» لا يختلف عن فوهة المدفع تلك التي ألهبت شعلة النجاح المتجسدة في البطلة «فيفيان لي» وهي تتقمص دور الشخصية «سكارليت أوهارا» (الدور الخلاَّق الذي أهَّلها لتحظى بجائزة الأوسكار)، فإنه لمن الصعب أن تَرضى نجمة كهذه ببطولة أخرى أقلّ جودة ومهارة مما تحقق في الشريط..
لنقل إنه الشريط الذي جلب للنجمة «فيفيان لي» التتويج والاعتراف الجماهيري بالتألق والعظمة، لكنه في المقابل جلب لها المشاكل التي كانت هي في غنى عنها، وفي مقدمة هذه المشاكل كان تخوفها من ألاَّ تحافظ على مكانها في القمة، ومن ثمة بداية مسلسل القلق الذي لم ينتهِ إلا بموت «فيفيان لي» تلك التي كان قد بلغ بها تشظي الروح وتمزق الذات مبلغه..
إنها رحلة الهوس إلى أبعد ما في النفس من استطاعة وقدرة على العطاء.. ومن هنا كان على «فيفيان لي» أن تتجاوز عقبة الخوف من السقوط من أعلى سُلَّم النجاح إلى آخِر نقطة للوقوع في حفرة الفشل..
هكذا يفكر العمالقة من مشاهير الفن، إنهم يَتَحَدَّوْنَ حساباتهم الشخصية ويغامرون بكل ما أوتوا من قوة وطاقة للقفز بدون مظلة من ارتفاع شاهق..
سباق ماراتوني خاضته «فيفيان لي» ضد الزمن الذي أقسم أن يَحبس أنفاسها، بينما كانت هي المسكينة تمني نفسَها بأن تتفوق عن جدارة واستحقاق على زوجها الثاني النجم لورانس أوليفييه Laurence Olivier ذاك الذي حظي بشهرة ونجومية تتجاوزان الحدود..
في سيرته الذاتية التي يحكي فيها الممثل لورانس أوليفييه عن شيء من حياته (بما في ذلك الحياة الفنية) سيَكتب عن محنة مرض زوجته الثانية «فيفيان لي» تلك التي أهدته عشر سنوات من الحُبّ المورِق بالدفء واللذة الوجدانية، لكن بعد هذا ما ستنتظر يا صديقي؟! لا شيء سوى عشر سنوات أخرى تقابلها من رحلة التيه والاغتراب والضياع..
إنه الهذيان النفسي الذي تراكمت نتائجه الوخيمة وكان أن جَنَتْ على حُبّ صَفَّقَ له نجوم السينما وانحنوا إعجابا بالمسار الذي جمع اثنين من زملائهم (فيفيان لي ولورانس أوليفييه) تحت سقف الزواج الواعد بحصاد طيب لسنابل الحُبّ غير بعيد عن رُمَّانة القلب النَّدِية..
لكن ما الذي سيُخَيِّب أفق انتظارك ويحكم على رحلة حياة صغيرة بالسوداوية؟!
لا شيء مرة أخرى سوى اضطرابات «فيفيان لي» النفسية التي قادتها إلى حافة الجنون بشهادة زوجها الثاني فرانس أوليفييه..
كآبة الأنثى«فيفيان لي» ودموعها وتقلبات مزاجها دفعتها إلى الانحدار باستقرار حياتها الزوجية إلى درجة ارتكاب حماقات واقتراف أخطاء لا يمكن الصفح عنها أو القفز عليها، وهذا ما جعل زوجها الثاني النجم السينمائي ينهي مساره معها بامتشاق عصا الطلاق تلك التي وضعت حدا لتمرد زوجته على عالمه الشخصي الذي كان ينتظر منه الكثير من الهدوء لمواصلة نجاحه الساحق كممثل ومخرج ومسرحي..
لكن أين هو العدل؟!
هل نصدق يا صديقي أن عشرين سنة من الزواج بـ«فيفيان لي» تَسقط من حقيبة زمن زوجها الشهير لورانس أوليفييه وهو يُشْهِر في وجهها ورقةَ الطلاق ليتزوج مباشرة بعد ذلك بالممثلة الأخرى «جيل إزموند Jill Esmond» التي كانت قد بللتها أمطار النجاح والشهرة؟!
ثم كيف لهذه الزوجة الثالثة في ترتيب زوجات الممثل لورانس أوليفييه (جيل إزموند) أن تثق به وهي ترى رؤية العين التي لا تحتاج إلى فلسفة مجهرية ما حَلَّ بزميلتها «فيفيان لي»؟!
هل هو فقط الحلم بالاقتران بنجم شهير على شاكلة لورانس أوليفييه الذي يجعل الممثلة الحسناء منهنّ توافق دون شروط على الارتباط به ارتباطا ما سيكون له أن يَغدو مقدسا؟!
أم هو جنون التحدي عند «فيفيان لي» الذي زج بها في سجن الاكتئاب وهي تُمَدِّدُ اليوم على مقاس أكثر من 24 ساعة في محاولاتها المستميتة للتمرد على صوتها الداخلي رغبة في تحقيق التكافؤ بالجودة نفسها في عملها وهي تتسلق سُلَّم النجاح للحاق بزوجها الثاني لورانس أوليفييه؟!
إلى جانب كل هذه الإكراهات التي واجهتها «فيفيان لي»، فإنها كانت تتخبط في واقع التحديات التي جعلتها تَعصف باستقرارها النفسي، ولا أسوأ من ردود فعل النقاد وتعليقاتهم السخيفة أحيانا على أداء «فيفيان لي»..
إن وظيفة الناقد مِن هؤلاء كانت حصر مواطن التقهقر أكثر من الوقوف عند نقط التفوق.. أما في حالة المسكينة «فيفيان لي»، فإن الكثير من النقاد كان يحصر أداءها في أقل ما تستحقه كنجمة، لاسيما وأنها استحقت جائزة الأوسكار في دورَيْ بطولة مطلقة لأفضل ممثلة، سواء تعلق الأمر بفيلم «ذهب مع الريح» الذي حصد من الأرباح ما لا يصدقه عقل منتج، أم تعلق الأمر بفيلم «عربة اسمها الرغبة A Streetcar Named Desire»..
هذا التقييم السلبي غالبا، أو لنقل إنه التقييم الذي كان ينتقص من الجهود الجبارة التي كانت تبذلها «فيفيان لي»، إذا ربطناه بتدهور أحوالها النفسية فإنه سيفضي إلى نتيجة كارثية تجعل الممثلة «فيفيان لي» تموت ببطء كأنها تكتوي داخليا بنار الشهرة التي يستكثرها عليها أولئك النقاد الذين كان منهم من يَكفر بنجوميتها..
هذا التكفير زاد من حدة تأثيره على «فيفيان لي» ذلك التشكيك في إحساسها كممثلة بما تؤديه، غير أن القطرة التي أفاضت الكأس هي الإصابة بالسّلّ وبداية زمن الالتهاب الرئوي الحاد الذي كان يخبئه القدر للنجمة الفاتنة التي ظلت تتصبب أنوثة على خشبة المسرح وخلف الكاميرا..
فماذا لو اجتمعت كل هذه الظروف غير الصحية مع فشل زواج «فيفيان لي» بلورانس أوليفييه بعد قصة حُبّ جامحة جعلت خيول الشوق واللهفة تركض خارج نطاق السيطرة عليها حتى قبل انخراطهما الرسمي في مؤسسة الزواج..
عند رصيف مرض «فيفيان لي» تسقط المثالية سقوطا مدويا، فإذا بأوراق زواجها بلورانس أوليفييه تختلط وتتناثر في اتجاه الأبواب والنوافذ التي فتحتها ريح اضطرابات الزوجة من جهة، ورفض الزوج لاستمرار هذه المهزلة من جهة أخرى..
كل هذا ولا أحد من الأغراب عن البيئة الزوجية للنجمين كان سيصدق حقيقة ما تعانيه «فيفيان لي» بسبب الشيزوفرينيا التي كانت تجلدها بين أربعة جدران إلى أن استفحل الأمر مما حال دون حفاظ الزوجين التعيسين على سرية الموضوع..
لكنه الوهم الكبير المسمى الحُبّ ذلك الذي زاد الطين بلة، وحكم بقطع رأس قلب أنثى صَفَّقَتْ لها عيون الرجال بحرارة وهي تنجح النجاح المبهر تباعا كأنثى تَشتهيها الروح ونجمة تَشهد لها العين..
إنه الحُبّ الذي حاربت من أجله «فيفيان لي» واستماتت لفرض وجودها في معادلة صعبة، ولْنَتَصَوَّرْ وقعَ الوساوس على رأسها المتعَب وهي تمتثل لتخوفها مِن أن تَخيب في الاحتفاظ بزوجها لورانس أوليفييه..
النجم لورانس أوليفييه لم تكن تنقصه الوسامة ولا الجاذبية ولا النجومية، فكيف كان بالتالي لـ«فيفيان لي» أن تشعر بالارتياج بعد زواجه بها وهي تتوجس خيفة من أن يذهب مع الريح ويسمح لغيرها بأن تَأخذ مكانها في قلبه وفي حياته بالْمِثل؟!
هذه الهواجس اعتصرت الروح والجسد لـ«فيفيان لي» وجعلتها تبدو مع الوقت كالجثة الهامدة التي لن تعرف أنت يقينا مِن أين سيفاجئك ما يصدر عنها من هدوء لن تتوقع أنت مطلقا أنه يسبق العاصفة..
أكثر من هذا، حاوِلْ يا عزيزي أن تضعَ اليد على جرح أنثى ألهبتها سياط الإحساس بِرَجُل ما آن لها أن تُصَدِّقَ وعدَ حُبِّه لها وهي تُناضل نضال المرأة المجاهدة لا لشيء سوى وضعِه في جيب القلب..
فما بالنا وهذا الرجُل العصي على أن نقبض عليه (فرانس أوليفيه) يترنح أمامها وهو يرتشف شيئا فشيئا كأس النجاح التي كلما غابت عنها جرعة امتلأت من جديد..
إنه الحُبّ الذي يعمل على إسقاط عرش المرأة لتَجِدَ نفسَها في رمشة عين عارية، عارية هي مِن دفء الإحساس بالتوازن والاستقرار، وهذا أكثر ما ينذر بانهيار صرح أنثى مشتعلة..
الهواجس مافتئت تنفخ في تخوف «فيفيان لي»، وهو ما أوقعها في أكثر من انهيار حال أحيانا دون استمرارها كممثلة وحَرمها مِن أدوار كانت تَحلم بها وحصلت عليها لكنها لم تَقوَ على أن تحتفظ بها، فما بالك عندما تأخذ منها الدور نجمة أخرى أو ممثلة أقل كفاءة..
تلك هي نار الاختيار، ولكل مجال عمل حسابات تختلف عن سِواه، لكنها سلطة الحُبّ، هي السلطة الأقوى، فحين تندفع الأنثى لتُلقي بنفسها من أعلى شلال الحُبّ صَدِّقْ يا صديقي أنها سَتَكون نهايتها، ولْتَكُنْ تلك النهاية المنتظَرة لبطولاتها على مستوى العمل وحتى على مستوى اجتهادها في سِوى ذلك من الأنشطة الموازية..
فلتحترقي نَخْبَ الحُبّ يا «فيفيان لي»..
ولْتُصَفِّقْ قلوبنا بحرارة أنثى تتسلل إليها حُمَّى العشق الحالِف أن يقبض على الروح..

الصفحات