الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  اللاوعي الجمعي

اللاوعي الجمعي

اللاوعي الجمعي

إعداد - مدني قصري
اللاوعي الشخصي هو نتاج تجارب كل واحد منا. أمّا اللاوعي الجمعي فهو يولد من كل التجارب الإنسانية منذ فجر التاريخ. فهو إذن ليس محصلة مجموع اللاوعيات الشخصية: إنه ذاكرة الإنسانية النفسية منذ ولادتها.
المحلل النفساني كارل غوستاف يونغ هو الذي، صاغ خلال القرن العشرين، مصطلح «اللاوعي الجمعي». فقد قسّم اللاوعي إلى «إقليمين»: الشخصي والجمعي. اللاوعي الشخصي هو نتاج تجارب كل واحد منا. أمّا اللاوعي الجمعي فهو يولد من كل التجارب الإنسانية منذ فجر التاريخ. فهو إذن ليس محصلة مجموع اللاوعيات الشخصية: إنه ذاكرة الإنسانية النفسية منذ ولادتها.
ففي اللاوعي الجمعي، على مدى تاريخنا، تبلورت رموز شمولية – أطلق عليها يونغ اسم «النماذج المثالية»، أو الأنماط التراثية»: التنين، والبطل، والبلور... فهذه الرموز هي من القوة ما جعل يونغ يتوقع (في كتابه «حياتي»، دار غاليمار، 2001) الحرب العالمية الثانية قبل فترة طويلة من اندلاعها، لأنه من خلال تحليل أحلام مرضاه، لاحظ أن فوتان WOTAN - إله الحرب الاسكندنافي – ظهر كثيرا في أحلام مرضاه.
فلتخيلْ الشخصية في شكل منزل. هناك غرف معيشية، وهي الغرف التي نعرفها جيدا. فهي اللاوعي الشخصي الموروث من ثقافتنا وتاريخنا. ثم هناك الطابق السفلي، وهو الأبعد عنا، لأنه الأكثر اختفاء، فهو اللاوعي الجمعي الذي يحتوي على الأساطير والرموز المشتركة ما بين البشرية. ففي جميع الثقافات نرى أن لغة الحكمة تنتشر في الأمثال والقصص التي تخاطب الروح، والقلب، وليس الفكر فقط. فعندما نلمس اللاوعي الجمعي تطفو فينا طاقات قوية.
ولكن وفقا لبنية الفرد، فإن هذه القوى يمكن أن تكون خلاقة ومبدعة - في حالة الفنانين، أو تكون مدمرة في حالات المصابين بالذهان. فهؤلاء وأولئك هم على نفس المستوى من النفس، ولكنهم ليسوا على نفس مستوى استخدام هذه القوى.
اللاوعي في الأصل لا يريد لنا لا خيراً ولا شراً. نحن نملك هذا اللاوعي لأن «الأنا» ترفض السماح له بالدخول إلى مجال الواعي كل عنصر قابل لأن يصدمنا أو يُخيفنا، أو يعطينا صورة سيئة جدا عن أنفسنا، أو عن من نحبهم. فلتخيل شخصا خطيرا يريد أن يدخل إلى بيتنا. فسوف نطرده لا محالة، ونثبت أقفالاً للتأكد من أننا محميون بشكل جيد. وبطبيعة الحال، فإن هذا الشخص سوف يصر على الدخول بأي ثمن، وسوف يظل يشير إلى وجوده. فهذا تحديدا هو ما يحدث مع الأفكار والرغبات المكبوتة في اللاشعور. فهي لا تسكت قط، ولا تختفي، ولا يطويها النسيان.
هذه الأفكار والانفعالات والرغبات تستفيد من ثغرات الوعي - لحظة من التعب، أو النوم... – لتظهر وتعبّر عن نفسه في شكل أحلام، أو زلات لسان، أو أخطاء عفوية. فهي تطفو عندما لا نتوقع ظهورها: فمثلا، بدلا من أن نرسل رسالة نصية قصيرة إلى الحبيب إذ بنا نرسلها، عن غير وعي، إلى الحبيب الأسبق الذي لم نستطع محوّه من الذاكرة.
فطري أم مكتسب؟
المحللون النفسانيون التابعون لمدرسة فرويد يرون أننا لا نولَد ولدينا لاوعي. ففي وقت مبكر، كل التجارب الممتعة، أو غير السارة، تترك آثارها في الذاكرة في قلب الدماغ، لكن اللاوعي لا يظهر إلا مع اكتساب اللغة. وترتبط الرغبات المكبوتة باندفاعات عشق المحارم الأوديبية الأولى التي يجب أن نتخلى عنها لكي ننمو. ولهذا السبب يصعب على البعض الوصول إلى حياة عاطفية مُرضية: فلا يستطيعون التخلص من عواطفهم الأولى المرتبطة بالأم أو الأب. ولهذا السبب أيضا يختار الكثير من الناس، على العموم، وعن غير وعي منهم، شريكا يشبه الأب أو الأم.
يقول فرويد إن كل ما هو مكبوت في اللاوعي يبقى فيه إلى الأبد، فهو يجهل الوقت والتناقض». وعلى العكس من ذلك، يرى يونغ (في علم نفس الوعي)، وهو التلميذ الخصم لفرويد، أن اللاشعور موجود فينا منذ الولادة. ويقول يونغ إنه بجانب اللاوعي الفردي، هناك اللاوعي الجمعي الذي يربطنا بأجدادنا وبأبطال الأساطير العظيمة للحضارة البشرية. ففي المنظور اليونغي، التفاحة في المنام، مثلا، تشير إلى أسطورة جنة الدنيا. وعندما نحلم بطائرة في ورطة، علينا أن نتذكر أسطورة إيكاروس، ذلك البطل اليوناني الذي يسقط لأنه حلق قريبا جدا من الشمس، ولم يُصغ لنصيحة والده. وهذه طريقة للقول بأن كل الناس لديهم نفس الأحلام، ونفس التطلعات، ونفس الصعوبات في تحقيق أهدافهم.
الوظائف النفسية الأربع
يُعرّف يونغ أربع وظائف نفسية. ففي كل واحد منا، هناك واحدة مهيمنة، وهي التي تحدد الكيفية التي ننظر بها إلى الواقع.
1- الفكرة: وهي إدراك العالم من خلال التفكير المنطقي. فالذين تكون هذه الوظيفة متطورة عندهم يشعرون دائما بالحاجة إلى تحليل وفهم الأحداث فكريا.
2- الشعور: وهو يعتبر عند يونغ، حُكمًا قيميًّا، فهو يُخبرنا عن الطبيعة الملائمة لوضع معين. العاطفيون يثقون في الشعور ليقرروا ما هو «ودي» أم لا.
3- الإحساس: يلتقط المعلومات التي نتلقاها عن طريق الحواس الخمس دون إضفاء الفكر عليها. الأشخاص الحسيون يسترشدون في حياتهم بهذه الوظيفة.
4- الحدس: هو القدرة على إدراك الصلات ما بين عناصر متباينة. الحدسيون لديهم خيال حي وأحيانا يفقدون الاتصال مع الواقع.

الصفحات