الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  من تمام سعادة العبد أن يفرق بين عدوه وصديقه

من تمام سعادة العبد أن يفرق بين عدوه وصديقه

من تمام سعادة العبد أن يفرق بين عدوه وصديقه

ألقى فضيلة الشيخ إسماعيل غصاب العدوي عضو اللجنة العلمية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطبة الجمعة بجامع الشيخ خليفة بمنطقة لعبيب جاء فيها: إن من تمام سعادة العبد ووفور عقله أن يفرق بين عدوه وصديقه ولا يصل العبد إلى تحقيق مصالحه ودرء مفاسده إلا بتمييزه بين أهل العداوة وأهل الصداقة، ولذلك جاء في كتاب الله تعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما بين للعبد المسلم ذلك غاية البيان، والعداوة قد تكون حقيقية وقد تكون بسبب مآلات الأفعال، كمن تكون طاعته سبباً لوقوع العبد في الضلال والفساد، وهؤلاء وإن لم يكونوا يحملون العداوة أصلا إلا أن مآل طاعتهم واتباعهم يجعلهم كأنهم أعداء، فوجب الحذر، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم) أي قد تكون طاعتهم سببا في البخل أو قطيعة الرحم أو الوقوع في المعصية فوجب الحذر من ذلك كما يجب الحذر من النفس التي بين جنبي العبد فإنها قد تكون أمارة بالسوء تدعو صاحبها إلى ما يغضب الله تعالى.
وقال فضيلته: وأما الأعداء الذين يحملون العداوة ابتداء وحقيقة فإنهم نوعان: عدو يظهر العداوة ويبدي البغضاء، وعدو في الحقيقة ولكنه يظهر الصداقة ويبدي النصيحة، فهذا أشدهم لأنه يصل إلى العبد على حين غفلة ويصل منه إلى ما لا يصل إليه عدوه الظاهر، وأعظم هؤلاء الأعداء الذين يظهرون الصداقة والنصيحة هم المنافقون الذين يظهرون الإسلام ويظهرون طاعة الله تعالى ويبطنون عداوة المسلمين وحب ظهور الفسق والمعاصي فيهم، ولئن كان الأعداء فيما مضى يُبدون العداوة ويظهرونها إلا أننا صرنا في زمن أصبح الأعداء التاريخيون يظهرون الصداقة ويظهرون النصيحة ويتلونون في ذلك حتى أنه انخدع كثير من المسلمين وصار يظن أن اليهود والنصارى وأضرابهم يحبون ويرغبون في صلاح حال المسلمين وأنهم يسعون إلى إقامة العدل فيهم وإلى حفظ حقوقهم وهذا من أشد الغفلة ومن المكر العظيم الذي يمكر به أعداء الإسلام، وعلى المسلم ألا ينخدع بالكلام وزخارف القول مهما زينوا ومهما أظهروا وهو يقرأ كتاب الله تعالى ويفهم ما فيه، قال عز وجل: ((ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)) وقال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا)) أي لا يقصرون في إهلاككم وإضعافكم ((ودوا ما عنتم)) أي تمنوا ما يحصل به العنت لكم ((قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون)) أي بدا من فلتات لسانهم ما يدل على عداوتهم وما في قلوبهم من ذلك أعظم وأعظم ((ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور* إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط)) فهذا بيان من الله تعالى وهو أصدق القائلين وهو سبحانه وتعالى العليم بالظواهر والبواطن بين لنا غاية البيان حقيقة أهل الكتاب والمشركين لنكون على حذر ومعرفة في كيفية التعامل معهم وعدم الوثوق بهم وعدم تمكينهم من أسرار المسلمين أو التصرف في مصالحهم.
إن أشد الأعداء وأعظمهم مكرا هو إبليس لعنه الله، وكثير من الناس في غفلة عن هذه الحقيقة مع شدة وضوحها وإجماع أهل الإسلام عليها ولكنه لا يلتفت حوله ولا يتبصر في أحواله ليرى هل تمكن منه عدوه وهل هو يسير في طاعته أم هو في نجاة منه وبعد عنه، وإبليس لعنه الله له من المكر والحيل ما قد تخفى على كثير من الناس، وبعض الخلق يظن أن الأمر من بنيات أفكاره ولكنه في الحقيقة وسوسة الشيطان وإرادة الشيطان له، فلا يفرق من غفلته وجهله بين بنيات أفكاره وبين وسوسة الشيطان له ومراده منه، والفيصل في ذلك أن تعرض كل أمر يخطر على بالك تعرضه على كتاب الله تعالى وأحكام الإسلام فما كان موافقا لدين الله ولحكم الله فهذا خير بإذن الله، وأما ما كان مخالفا لأمر الله ولحكم الله فاعلم أن هذا من كيد الشيطان ووسوسته.
وأمر آخر يجب التنبه له وهو مآلات الأفعال والأقوال، فإن الشيطان قد يفتح باباً من الخير ليوصل العبد إلى باب أو أبواب من الشر، فلا يكفي أن تنظر إلى الفعل في ظاهره، بل يجب أن تنظر في مآلاته، وقد جاءنا من أخبار بني إسرائيل ما فيه عظة وعبرة لمن يعتبر ويتأمل كيف تكون خطوات الشيطان وكيف يصل إلى مراده من العبد في أمر ظاهره الدلالة على الخير وباطنه الإيقاع في معصية الله وغضبه، جاء في أخبار بني إسرائيل أن ثلاثة نفر منهم أرادوا الجهاد في سبيل الله، ولهم أخت ليس لها غيرهم، فقالوا نتركها عند العابد فلان، يثقون به، فعرضوا الأمر عليه فرفض، فلم يزالوا يرغّبونه ويحثونه على إعانتهم على الجهاد في سبيل الله حتى قال لهم أن يضعوها إلى بيت في جانب صومعته، فانظروا كيف حبب لهم الشيطان الجهاد في سبيل الله ليتركوا ويخلفوا أختهم فريسة لوسوسة الشيطان وخطواته، وهكذا فتح لهم باباً من الطاعة ليوقعهم في أبواب من المعصية، وهكذا فتح للعابد باباً من الطاعة وهو إعانة هؤلاء على الجهاد ليوقعه بعد ذلك في أبواب من الضلال، فكان يضع لها الطعام فتخرج من البيت فتأخذه، فقال له لو وضعت الطعام عند باب البيت حتى لا يراها من يراها وهي خارجة وراجعة إلى بيتها فيعلق بها فيفتتن فصار يضع لها الطعام عند باب البيت، فقال له: لو تكلمها فقد طالت وحشتها وطال ذهاب إخوتها عنها فإنه آنس لها وأذهب إلى وحشتها وأطمن إلى قلبها فصار يكلمها، فلم يزل الشيطان يأخذه خطوة خطوة حتى دخل عليها وضرب على فخذها ووقع بها فحبلت من الزنا، فجاءه الشيطان فقال له كيف لو جاء إخوتها ورأوا ذلك فاقتل الطفل فإنها تكتم عنك لأجل ألا تفضح، فأخذه وقتله، ثم جاءه الشيطان فقال له: أتراها تسكت على فقد ابنها؟ فليس لك إلا أن تقتلها وتنعاها إلى إخوتها إذا رجعوا، ففعل ذلك ودفنها إلى جانب طفلها، فلما جاء إخوتها وسألوا عنها نعاها لهم وبكاها لهم ودلهم على قبرها كذباً وزوراً، فجاءهم الشيطان في ليلتهم على هيئة مسافر فسألهم عن أختهم، فقالوا له كذا وكذا، فقال لهم كذبكم العابد، ولكنه فعل كيت وكيت- وهكذا الشيطان يفعل دائما، يغري العبد بالمعصية ثم يسعى لكشف ستره- فجاء إلى الأول ثم إلى الثاني ثم إلى الثالث فأصبحوا وقد رأوا عجباً وحكى بعضهم إلى بعض ودلهم على قبرها، فذهبوا إليها فوجدوها مع طفلها، فأُخِذ العابد بجريرته وقُتل، فانظروا إلى خطوات الشيطان كيف يبدؤها بالتحبيب إلى الطاعة وفتح أبواب الخير ولكن العبد المؤمن يكون على بينة من ذلك وينظر إلى المآلات والعواقب ولا يكتفي بالنظر إلى الظاهر وبذلك يكون أبعد عن مكر الشيطان وعن وسوسته وأسلم من الوقوع في حبائله ومكره، أعاذني الله وإياكم من الشيطان الرجيم وهدانا إلى صراطه المستقيم. وأكد فضيلته أن سبب ضلال إبليس وافتتانه هو الحسد والكبر، ولذلك فإن العبد إذا وقع في الحسد والكبر كان ذلك من أعظم أسباب تسلط الشيطان عليه وكان سبباً في ضلاله، واعلموا أن الشيطان يستغل في العبد ثلاث حالات: يستغل وقت غضبه فيوقعه في الكفر أو الفسوق والمعاصي والإفساد، ويستغل وقت حزنه فيوقعه في الكفر أو الفسوق والعصيان، ويستغل وقت فرحه فيوقعه في الكفر أو الفسوق والعصيان، فهذه ثلاث حالات احذر أن ينال الشيطان منك حظه فيها، الغضب والحزن والفرح.
والشيطان له مع ابن آدم طريقان يسلكهما: الشهوات والشبهات.

الصفحات