الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  أيـــادي الخــير

أيـــادي الخــير

أيـــادي الخــير

عند الساعة الحادية عشرة من ليل يوم الأربعاء، رن جوالي ثلاث رنات متتالية، وفور الإجابة سألتني: «هل ترافقيني في مشواري الليلي»، ولفنا الليل، وكان لابد لرفيقتي «مريم» من أن تجهز أغراضها لقضاء الليل بطريقة، ومن اللحظة الأولى من الاقتراب من منزلها بدأ الليل يختلف طعمه مع صديقتي «مريم»، فأمام باب دارها الأبيض كانت صديقتي تضع برادًا للمياه، وعندما سألتها عن السبب أخبرتني أنه يتواجد أمام باب دارها مجموعة من العمال ينجزون العمل في النهار والليل، وأنهم يعانون من العطش دائمًا، لذلك قامت بوضع براد الماء ذلك وقامت بوصله كهربائيًا كي يتسنى لهم شرب الماء البارد في هذا الجو الحار، ثم قالت: إن عددا كبيرا من الناس العاديين، يوقفون سياراتهم أحياناً ليأخذوا كوبا من الماء النقي البارد لأطفالهم أو لهم، وإن هذا الأمر جعلها تشعر بالرضا عما قامت به، ثم أحضرت أكياسًا ملأى بالعصائر والبسكويت، وقالت لي:«ها قدا بدا ليلنا»، وفي أقل من لحظات تمكنت رفيقتي مريم من التقاط هدفها الأول، فأوقفت سيارتها أمام إحدى الورش وقالت لي:«مدي يدك بالعصير والبسكويت، ولكن لا تفتحي النافذة بشكل كامل»، وفي لحظة وجدت أمامي ما لا يقل عن عشرة عمال من جنسيات مختلفة، يتقدمون بكل خجل، يأخذون العصير والبسكويت، ويشكرونها، ولما حاولت فهم ما يجري، أوقفت سيارتها مريم لتخبرني أنها في كل ليل شديد، تصحب صديقتها مريم، وتشتريان مجموعة من العصائر أو البسكويت أو السندويشات والماء، ثم يبحثون عن الورش التي تضم العمال، ليوزعوا عليهم ما يحملونهم، وأن هؤلاء العمال اعتادوا على هذا الأمر، فهي ليست الوحيدة في قطر التي تقوم بهذا العمل، وإنما هناك العديد من أهل الخير ينتظرون القمر أن يلف سماء قطر، لينطلقوا ناشرين الخير بصمت
وبقيت مع صديقتي «مريم» نوزع العصائر والبسكويت حتى بلغت الساعة الواحدة والنصف ليلاً، وكم كانت شديدة الحرص على منح كل من تراه في طريقها ما تحمله بجعبتها، لم نكن نرى وجوههم، ولم يكونوا يرون وجوهنا، كان العطاء مجسدًا بمد يدنا بصمت، دون أن ننبس ببنت شفة، وكان الشكر عبارة عن كلمة واحدة «شكرًا قطر» فالعمال لا يعرفون هويتنا، ولكنهم يعرفون أن هذه قطر العطاء.
هذا ما يحدث في ليل قطر، قلوب عامرة بالمحبة والإنسانية، وأيدٍ ممدودة بالخير وعدت إلى بيتي، هذه ليست هي المرة الأولى التي اختبر فيها مشاعر المحبة والإنسانية في قطر، فكم من صديقات وعابرات طرق في غربتي، يحملن قسمات «قطر» وطيبتها مررن بي واختبرت معهن مشاعر علمتني «أن خير قطر» ليس له حدود، هذا ما يحدث في ليل قطر، ولقد حان الوقت فعلًا أن نضيء نجومنا لنرافق هذه القلوب الصامتة في رحلتها لغرس الخير والإنسانية في كل شوارع الدول العربية. وصدقني سيدي القارئ «مريم عادت إلى بيتها، وتمضي لياليها وهي منهمكة في تقديم المساعدة لعمال لا يربطها بهم سوى الإنسانية، ولا يدفعها لمساعدتهم سوى إيمانها بالله، وأخلاقها القطرية»، وهذا ما نحتاجه لتعود نجومنا تتألق في سمائنا العربية، قلب يشبه قلوب أهل قطر.. وأيدي نقية كأيديهم تمتد للخير في كل مكان.

الصفحات