الصفحة الرئيسية  /  الوطن /  الفُجُور في الخُصومة

الفُجُور في الخُصومة

الفُجُور في الخُصومة

- أدهم شرقاوي
جاء رجلٌ إلى الحجاج بن يوسف الثقفيّ وقال له: إنّ أخي خرج مع ابن الأشعث، فلما لم تظفرُوا به عمدتم إليّ، فضُربَ على اسمي في الديوان، ومُنعتُ من العطاء، وهُدمتْ داري!
فقال له الحجاج: أما سمعتَ قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد
تعدي الصحاحَ مباركُ الجُربِ
ولَرُبَّ مأخوذٍ بذنب عَشيرة
ونَجا المقارفُ صاحب الذنبِ
قال الرجل: أيها الأمير، إني سمعت الله يقول خيرًا من هذا!
فقال الحجاج: وما قال؟
قال الرجل: «يا أيها العزيزُ إن له أباً شيخاً كبيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مكانهُ إنا نَراك مِن المُحسنين، قال معاذ اللهِ أنْ نأخُذَ إلا مَن وَجدنا مَتاعَنا عِندهُ إنا إذاً لظالمون»
فقال الحجاج: يا غلام، فمثل بين يديه
أعد اسمه إلى الديوان، واعطه عطاءه، وابنِ داره، ومُر منادياً ينادي: صدق الله وكذب الشاعر!
لم أسرد القصة للحديث عن فضائل الحجاج، يكفيه وعبدالملك ما سفكاه من دماء ليكون رزية لا تُجمّلها كل مساحيق الكلام ولكن «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون» ومن يقرأ التاريخ بعيني الخير والشر يُدرك حتمًا أن كليهما لهما مواقف يُستشهد بها في مكارم الأخلاق، فنذم القبيح ونثني على الحسن، والإنصاف في الناس عزيز!
ما يعنيني هنا أن الفجور في الخصومة قديم في الناس، وهنا رجل دفع ثمن عداوة أخيه للحجاج وعبدالملك، ولعل هذا باقٍ في الناس ما بقوا على هذه الأرض، نشاهده كل يوم، ونعاينه كل حين، إذا اختلفت دولتان كان الناس وقودًا لنار الخلاف، تُقطع أرزاقهم وأرحامهم، رغم أنهم لا رأي لهم ولا يد في الوفاق القديم ولا في الخصام الجديد!
يختلف شخص مع فرد من عائلة فيعادي العائلة كلها.
يختصم زوج مع زوجته فتنقلب صلة الرحم بين العائلتين إلى ميدان معركة، والفارس الشجاع فيها أرذلهم أخلاقًا وأفجرهم خصومة.
يختلف زميلا عمل فيريدك كل واحد منهما في صفه، هكذا هي عقليتنا مع الأسف، إن لم تكن معي فأنت ضدي!
في بداية عملي في التدريس، جاءت أم أحد الطلاب إلى صفي وحضنت ابنها وبدأت تقبله، واعتذرتْ إليّ عن فعلها بأن أباه لا يسمح لها برؤيته، فطلبتُ منها أن تأخذه خارج الصف وتراه كما شاءت، وفي اليوم التالي حضر الأب مهددًا مرعدًا، وأنه لا يحق للمدرسة ولا لي أن نأذن لها أن تراه، وعبثًا حاولت أن أشرح له أن هذا ليس في صالحه ولا في صالح ابنه أولًا فضلًا أن يكون في صالح طليقته، وكل ما فهمه الرجل من كلامي أننا في صف الأم ضده!
الإنسان الذي لا يعرف كيف يختلف مع الآخرين لا يعرف كيف يتفق معهم، وأحيانًا نحن بحاجة إلى الخلافات لنعرف معادن الناس الحقيقية، في لحظات الوئام والوفاق الناس كلهم معدن واحد، فإذا وقع الخلاف تباينوا وانقسموا إلى أراذل ونبلاء!