بصمود مشرّف ووقفة رجل واحد.. دفاعاً عن السيادة والكرامة، بطريقة حضارية، ومعاني النبل والشهامة.. رسمت قطر بقيادتها وشعبها.. وسياستها ونهجها.. صورة فريدة من نوعها، وكتبت بأحرف من نور فصول قصتها، وتفاصيل قضيتها، ليقرأها العالم، ويرويها لأجيال المستقبل.. وهو يرى هذه الدولة التي يطلق عليها بوصف معسكر الحصار «الصغيرة جداً»، وفي ذلك دلالة على صغر عقلياتهم وقصر نظراتهم.. التي يقيسون الدول بمساحاتها، لا بإنجازاتها وتأثيراتها.
قطر على مدار شهور، أعطت المنطقة كلها دروساً في كيفية إدارة الأزمات، وطريقة التعامل مع الاعتداءات والتجاوزات والاستفزازات، التي شكلت نهجاً سافراً من دول الحصار التي لم تتوانَ في خرق جميع الأعراف والقواعد الأخلاقية والإنسانية والمعاهدات الدولية، سواء بقطع العلاقات الأسرية، أو تسييس الحج والعمرة، أو استخدام رجال الدين والقبائل والأطفال في هذه القضية، أو خرق الأجواء بالطائرات العسكرية كعمل استفزازي رخيص..
وقد تم التعامل مع هذه السقطات والنكسات والوكسات من خلال طرق القنوات الدولية والوسائل القانونية والمنظمات الحقوقية، وهذا ما آلمهم كثيراً، بعد أن وصلت تصرفاتهم الرعناء، وخططهم الساذجة، إلى أعلى السلطات القضائية والسياسية والإنسانية، وآخرها الرسائل المرسلة ضدهم في مجلس الأمن، والشكاوى المقيدة عليهم في المفوضية السامية لحقوق الإنسان، والتي كشفت في تقريرها الأخير عن كم التجاوزات التي تمارسها دول الحصار.. ضاربة بكل القيم الإنسانية عرض الحائط، ولم يسلم من طيشهم وبطشهم حتى الحيوانات المقيمة على أراضيهم؛ إذ تسببوا في إلحاق الأذى والضرر بها، مما أدى إلى نفوق بعضها!
الحوار.. منهج حياة
لطالما آمنت قطر بالحوار كوسيلة وحيدة لحل النزاعات والخلافات، تحت سقف القوانين والشرائع الدولية التي يتشاطرها العالم بأسره، ولطالما لجأت إليه في كل وساطاتها الحميدة في ما بين الأشقاء والأصدقاء، كما هو الحال بالنسبة لأزمات دارفور ولبنان وفلسطين وجيبوتي وإريتريا، وغيرها.
هذا الإيمان العميق بالحوار، هو ديدن السياسة القطرية، ومنهجها، وهو الوصفة التي حاولت أن تتبعها منذ أن بدأت الأزمة الخليجية، ومازالت، لكن تعنت دول الحصار وتهورها عرقل جميع هذه المحاولات؛ حيث المخطط المرسوم منذ البداية قائم على محاولة ترويض قطر، ونزع سيادتها، وتقويض سياستها، والسيطرة على قرارها ومواردها، وليس كما يدعون في شماعتهم «الإرهاب»، لتسويق هذه التهمة خارجياً، لعلها تجد رواجاً لدى دوائر القرار في العواصم الغربية وواشنطن.. ولكن المفاجأة الصادمة لهم أن جميع القوى الكبرى وضعت يدها بيد قطر، ووثقت علاقاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية معها، دون التفات لهذا الهراء والهرطقات «الحصارية» المتمثلة في مزاعم لا أساس لها.. بل إن هذه الدول لم تكتفِ بهذه العلاقات المميزة، بل أكدت أن قطر شريك أساسي واستراتيجي في مكافحة الإرهاب وتمويله.. وهي بذلك تكون هدمت المعبد على محور الشر، بينما هم يحاولون الآن البحث عن مخرج.. ولو من باب حفظ ماء الوجه، بعد فشل محاولاتهم الخبيثة لضرب الاستقرار في المنطقة، للحصول على مكاسب رخيصة على حساب شعوبهم المغلوبة على أمرها، والمحكومة بالسيف الأجرب، والسجن المظلم، في ظل عقليات متسلطة، وأنظمة قمعية، تتعامل بالقوة والترهيب، وعندها استعداد لسجن نصف الشعب والتنكيل به، في سبيل البقاء في السلطة، بعد أن شرعت في محاسبتهم على مشاعرهم وإحصاء أنفاسهم.. بل وكتمها إن لزم الأمر!
ولم تثمر هذه الخطوات، بل الخطايا، سوى الخيبة والفشل والعار والمهانة، وهم الذين توقعوا أن عملية «خنق قطر» لن تستغرق سوى أيام، وبعدها سيرفع الجميع الرايات البيضاء، وإذا بقطر الصغيرة في نظرهم، والكبيرة في عيون شعبها والعالم، تقلب الطاولة عليهم، وتنطلق بمشاريعها الداخلية الضخمة على طريق الاكتفاء الذاتي، وتضاعف من نشاطها وحيويتها، لإنجاز وتنفيذ خططها العمرانية المرسومة لجميع مدن ومرافق البلاد، وكذلك لمونديال 2022، وهذا الحدث تحديداً أحد أسباب الأزمة، بعد أن سبب لهم «حرقانا» في الجهاز العصبي، وانتفاخاً في القولون، منذ إعلان الاستضافة في يوم الثاني من ديسمبر 2010.
وتحررت قطر من العباءة الخليجية الخانقة، والمبنية على المجاملات في السياسة والاقتصاد، وحلقت الآن برؤيتها العربية والإسلامية، واضعة نصب أعينها أمن المنطقة والتضامن الخليجي، وتقدم في الوقت ذاته لغة اتصال راقية، وتفتح قنوات دبلوماسية مميزة مع دول العالم؛ لترسم لنفسها خطاً سياسياً مستقلاً، بضوابط ومعايير تضمن لها التحرك، وفق ما يحقق لها النماء والرخاء، وللمنطقة الوئام والسلام. إن قطر بتكاتف قيادتها وشعبها، ضربت أروع الأمثلة في الصمود، وفي إيجاد البدائل التي تمكنها من مواصلة مسيرتها التنموية الهائلة، وكانت «الضارة النافعة» التي فتحت الأعين على ضرورة الاعتماد الكامل على الذات، وهو ما كان.
تحركت قطر على كل المستويات: السياسية والاقتصادية والقانونية والحقوقية؛ لتظهر للعالم بأسره عدالة قضيتها وصحة موقفها، وتكشف عن زيف الادعاءات الباطلة، واستطاعت خلال أشهر الحصار أن توضح الحقائق كاملة للعالم بأسره، فكسبت ثقته وتعاطفه واحترامه، وبينما أكتب اليوم متابعاً آخر التحركات القطرية في الولايات المتحدة، والجهود المقدرة والمعتبرة لسعادة الدكتور خالد بن محمد العطية نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدولة لشؤون الدفاع، وسعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، أشعر بأن دبلوماسيتنا الرصينة استطاعت أن تصل بقضيتنا العادلة إلى شواطئ الأمان، وتظهر للعالم بأسره زيف ادعاءات دول الحصار، ورواياتها المتناقضة.
بدأت المؤامرة ضد قطر بقرصنة وكالة الأنباء القطرية، والحديث المفبرك الذي تم بثه، وعندما تكشفت الحقائق انتقلوا للحديث عن تمويل قطر المزعوم للإرهاب، وعملوا بصورة محمومة من أجل ربطها بالإرهاب، ولكن لأن «حبل الكذب قصير»، لم تصمد تلك المزاعم طويلاً، وهي سقطت أخيراً بالضربة القاضية، التي تمثلت بنتائج الحوار الاستراتيجي القطري- الأميركي، وما تمخض عنه من اتفاقيات ومذكرات تفاهم تكرس الشراكة بين البلدين، وتؤكد عمق صداقتهما التاريخية، كما تكرس مجموعة من الحقائق المهمة، أبرزها أن هذا الحوار ما كان ليتم، وما كان ليحقق تلك النتائج، لولا إدراك الولايات المتحدة ومعرفتها ويقينها بأن قطر هي رأس حربة في المعركة ضد الإرهاب، وأن كل ما روجت له دول الحصار كان حديث إفك وتضليل، ومتاجرة رخيصة تفتقد لأدنى إحساس بالمسؤولية تجاه شعوبنا الخليجية، تمثلت في قطع الصلات والأرحام، والإضرار بمصالح الناس.
الحوار الاستراتيجي القطري- الأميركي علامة فارقة منذ أن اندلعت الأزمة، لأسباب عدة:
فهو أولاً، أسس لحوار استراتيجي سنوي.
وثانياً، شمل مجالات عدة، منها الدفاع ومكافحة الإرهاب والتطرف والتجارة والاستثمار، وهنا لابد من ملاحظة عبارة «الشراكة في مكافحة الإرهاب»، التي تعني أن قطر سبقت دول الحصار أشواطاً في محاربة هذه الظاهرة المقيتة، والذين مازالوا يروجون لهذه التهمة، بات عليهم أن يدركوا فحوى هذه الشراكة وهذه الرسالة أيضاً.
ثالثاً، لابد من التوقف ملياً أمام الإعلان المشترك حول التعاون الأمني؛ حيث أكد البلدان التزامهما المشترك بتعزيز السلام والاستقرار ومكافحة ويلات الإرهاب.
وأعربت الولايات المتحدة عن استعدادها للعمل بصورة مشتركة مع قطر، بما يتسق وأحكام ميثاق الأمم المتحدة، لردع ومجابهة التهديدات الخارجية لوحدة الأراضي القطرية.
هذه الرسالة مهمة جداً، خاصة للذين راهنوا على موقف أميركي مغاير، وهي تؤكد أن لا مكان لأي مغامرة أو لأي متهور مازال يتحرك وفق شريعة الغاب، بعيداً عن أحكام القانون الدولي وسيادة الدول.
رابعاً، لابد من ملاحظة الاتفاق الخاص بتوسيع المرافق الحيوية في القواعد الأميركية، في إطار شراكة ثنائية أمنية قوية ودائمة بينهما، وتطلعهما إلى زيادة المناقشات بما يتعلق بإمكانية تحقيق التمركز الدائم للقوات العسكرية الأميركية في دولة قطر.
كل ذلك ما كان ليتم، لولا الثقة الأميركية الكبيرة والأكيدة بالشراكة مع قطر، خاصة في ما يتعلق بالأمن ومكافحة الإرهاب والقضاء عليه، وعلى التطرف العنيف، وما كان ليتم، لولا عدالة قضية قطر، ولولا دبلوماسيتها الشفافة والشجاعة، بتوجيهات صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، والتي أدت إلى الانتصار على الحصار الاقتصادي والسياسي وكسره، وقد آتت هذه الجهود ثمارها، وتوجها أخيراً الحوار الاستراتيجي في واشنطن.
على الرغم من انتصارنا الأكيد في مواجهة الخزعبلات، وغرس أسس الاعتماد على الذات، وفتح الخطوط وتحقيق أفضل المنجزات، فإن قطر مازالت تؤمن بالحوار الذي يعلي اعتراف أطرافه ببعضهم البعض، وبحقهم جميعاً في الوجود والسيادة والخصوصية، التي لا ينبغي لأحد تغييرها أو التدخل فيها، وحق كل دولة بالحفاظ على مقوماتها وأسسها، كما ارتأت لنفسها، والاقتناع بأنّ كلاً من أطراف الحوار مختلف عن الآخر، وغير ذلك يؤدي إلى محاولة كل طرف غزو وتدمير الطرف الآخر، مما يؤدي إلى عيش العالم بالصراع والصدام الدائم بعيداً عن الحوار البناء.
مازلنا نؤمن بالخليج الواحد وبالصلات والوشائج وعلاقات القربى والمصالح المشتركة، والخلافات من سنن الحياة، هكذا يتعايش العالم مع بعضه البعض، دون إملاءات ودون أي محاولة لفرض الوصاية.
هذا هو مفهوم قطر للحوار، وهو ما عبر عنه باستمرار، وفي كل مناسبة، سعادة الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، الذي قاد دبلوماسيتنا في مرحلة صعبة، بل وخطيرة، وأثبت أنه قادر على المضي قدماً في هذا البحر المضطرب بشجاعة ونبل وأخلاق، حاملاً قضية قطر إلى المنابر العالمية، وآخرها الأمم المتحدة؛ حيث عقد عدة اجتماعات مع أمينها العام، وممثلي الدول دائمة العضوية فيها، شارحاً تفاصيل الإجراءات غير القانونية لدول الحصار، وتبعاتها على الأمن والسلم الإقليمي والدولي.
الذين راهنوا على الحصار فشلوا وفشلت رهاناتهم، وكل ما فعلوه هو الإساءة لشعوبهم عبر إهدار جهد وطاقة وأموال كان يمكن أن تعود بالنفع عليهم، وتؤمن احتياجاتهم الملحة في الصحة والتعليم والبنى التحتية، عوضاً عن محاولة ترويج الإشاعات، وتسميم الإعلام، وقطع الأرزاق والأرحام، وهي أفعال بعيدة عن الحكمة والعقل والمنطق والأخلاق، وربما اكتشفوا أخيراً أن قطر، الصغيرة بمساحتها، كبيرة بمواقفها وسياساتها وإيمانها العميق بالقانون الدولي، كما هي كبيرة بأشقائها وأصدقائها وكل محبي السلام في العالم.
أخيراً..
من يريد الحوار ومناقشة جميع القضايا المختلف عليها بكل موضوعية وشفافية فقطر أعلنت منذ اليوم الأول أن بابها وقلبها مفتوح وقادرة على استيعاب جميع الآراء المحتقنة والمضطربة.. ولديها الثقة الكاملة في سلامة مواقفها وإقناع خصومها بطريقة مثالية وحضارية.
أما من يعتقد أنه سيغير الواقع بالأغاني و«الشيلات» ويستفزه «تي شيرت» فليذهب هناك للمدرجات والمباريات ومهرجان الإبل والمزاينات..
ومن يظن أن لديه قدرات عسكرية جوية يستخدمها للاستفزاز والابتزاز فعليه التفكير أولاً في كيفية تحرير «الجزر» بواسطة الجنود البواسل..
لكن العاجز عن مواجهة قناة وبرنامج ومغرد لا يُنتظر منه تحرير الأرض..
فـ «الجزيرة» و«الحقيقة» كشفا قضاياهم الملتهبة.. وفي «تويتر» حاصرتهم «سكسوكة العذبة» بالتغريدات الصائبة والأسئلة الصعبة..!
أما من يعيش على هامش الحياة
دون شخصية واستقلالية أو قرارات سيادية، مكتفياً بالتصويت و«الريتويت»، فننصحه بمشاهدة فناننا الكبير في عرضه المسرحي المثير «شللي يصير»..!
بقلم:محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول