+ A
A -

لم يكن حضور قطر لاجتماعات الدورة الـ«78» للجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفتها عضوا في المنظمة الدولية فحسب، وإنما حضرت ومعها خريطة فاعلة لما يجب أن يكون عليه التعاون والتنسيق في مواجهة أخطار جسيمة تحدق بالأسرة الدولية ككل.

حضرت وفي جعبتها الكثير لتعزيز التكاتف والتعاون الدولي متعدد الأطراف وإثراء النقاش البناء والتخطيط الأممي الهادف إلى تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الأمن والسلم الدوليين، وقد كان ذلك جليا من خلال الاجتماعات المكثفة التي شاركت فيها مع ممثلي مختلف الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، وتناولت قضايا في غاية الأهمية كما هو الحال بالنسبة لأهداف التنمية المستدامة، وحماية التعليم من الهجمات، والتغير المناخي، والصحة العالمية، والأمن والاستقرار في المنطقة، وفي هذا الشأن تحديدا خطت الدبلوماسية القطرية خطوة كبيرة وحققت نجاحا غير مسبوق، عبر البدء في تنفيذ اتفاق التبادل بين إيران وأميركا، والذي تم بموجبه إطلاق سراح عدد من المحتجزين في البلدين، بالإضافة إلى تحويل الأموال الإيرانية المجمدة في جمهورية كوريا إلى الدوحة.

على وقع هذا الإنجاز القطري الكبير جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ «78»، ليؤكد أنه ما زال في مقدور الدبلوماسية والحوار، إيجاد حلول للقضايا الأكثر تشابكا وتعقيدا، وكما أوضح سموه فإن «طريق حل النزاعات بالطرق السلمية هو طريق طويل وشاق، لكنه أقل كلفة من الحروب، والتزامنا بمواصلة جهودنا في تيسير وصناعة السلام هو التزام مبدئي، وهو في صلب سياستنا الخارجية».

كما جاء الخطاب السامي ليعكس مجموعة من الحقائق الهامة، حول الأوضاع المعقدة التي يعيشها العالم، والتي تلقي بالكثير من الظلال القاتمة على شعوب تجد نفسها في قلب صراعات ومجاعات مؤلمة كان يمكن الحد من تأثيراتها عبر الاحتكام للمنطق، وتغليب الحوار، وتكثيف المساعدات، لكن الأمور لم تمض على هذا النحو، وبدا واضحا أن المقاربات والأساليب المتبعة لم تتطور، للأسف الشديد، بما يوازي مخاطر ما يعيشه العالم من أزمات ومواجهات عسكرية واقتصادية وصحية وبيئية، تنذر بالتفاقم أكثر فأكثر.

حضور قطر البارز والمؤثر في اجتماعات المنظمة الأممية تشهد عليه منابر الأمم المتحدة وأروقتها، ومساهماتها المتواصلة في خدمة الإنسانية عبر القرارات البناءة والمبادرات النوعية التي تقدمها، تؤكده عبارات التقدير من المجتمع الدولي، لدورها الكبير والبناء في إيجاد حلول للتحديات التي تواجه الإنسانية.

كما كان لقضايا الشرق الأوسط، نصيب رئيسي من اهتماماتها عبر الدعوات المستمرة لجعلها منطقة خالية من الأسلحة النووية، باعتبار ذلك خطوة أساسية لتوطيد نظام عدم الانتشار وتحقيق هدف الإزالة الكاملة للأسلحة النووية، كما عبرت أكثر من مرة عن دعمها الكامل لمسار المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني للوصول إلى تسوية شاملة ومرضية لكل الأطراف، مؤكدة في الوقت ذاته على حق الشعوب في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية، في حين حظيت القضية الفلسطينية بالاهتمام الأكبر، وهي القضية التي لطالما شغلت قطر واستحوذت على اهتمامها الكبير، ليس فقط لأنها قضية شعب احتُلت أرضه وشُرد شعبه فحسب، ولكن أيضا لكونها الصراع الأقدم الذي لم يتم التوصل إلى حل عادل له حتى اللحظة على الرغم من كل القرارات الأممية التي صدرت سواء عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وسط هذه الأوضاع جاءت كلمة صاحب السمو، واضحة وشاملة وصريحة إلى أبعد الحدود، فما يشهده العالم يحتاج إلى الصراحة، والحكمة، وإلى مقاربات قابلة للدفع باتجاه حلول لم يعد من الجائز تجاهلها، أو التقليل من شأنها.

الكلمة السامية حملت أعباء العالم، ونقلت معاناة ملايين البشر من الذين لا صوت لهم، ليس هذا فحسب، إذ أنها قدمت أيضا ما يمكن اعتباره خريطة عمل، أو بوصلة طريق، للوصول إلى بر الأمان، فالأوضاع صعبة، والهموم كبيرة، والمعاناة صارخة.

الخطاب السامي تناول العديد من القضايا التي تؤرق البشرية جمعاء، وعبر عدة محاور رئيسية أوضح سموه بالتفصيل ما يكابده العالم، وما يجب أن تمضي إليه الأمور من أجل محاصرة المشكلات ومنعها من التفاقم والدفع باتجاه حلول معقولة لها.

المحور الأول تناول التقدم المتسارع الذي لم يسبق له مثيل، والذي تسود فيه روح الابتكار في مجالات الطب والتكنولوجيا والعلوم عموما، وفي هذا السياق أشار سموه إلى ارتفاع معدل الأعمار، ومستوى المعيشة لغالبية الإنسانية وظهر ذلك بوضوح في التكاثر السكاني. لكن سموه حذر من أن معدلات الفقر والبطالة ارتفعت أيضا، وازداد الوعي بغياب العدالة في توزيع الثروات، فضلا عن التبعات الخطيرة على البيئة، كما زادت الفجوة بين الممكن والواقع أيضا، حيث «تعاني شعوب من عمالة الأطفال والجوع والبطالة والحروب الأهلية، وتدافع فيه دول متطورة عن حدودها أمام تدفق اللاجئين الهاربين من تلك المعاناة، وكأن شعوب الكرة الأرضية تعيش في عصرين مختلفين».

الهم الإنساني بدا واضحا في الخطاب السامي، وهو استحوذ على صدارة هذا الخطاب، حيث مخاطر مثل تزييف الواقع، واختراق المجال الخاص للأفراد، وتشويش العملية التعليمية بتسهيل الانتحال، ومضاعفة تأثير البروباغندا المضللة وأدوات خداع البشر، تتفاقم.. ما يستدعي «توحيد الجهود لمنع إساءة استخدام الفضاء السيبراني وتنظيم هذا الجانب الحيوي استنادا لأحكام القانون الدولي».

المحور الثاني تناول القضايا العربية والعالمية الأكثر إلحاحا، وفي الصدارة كانت القضية الفلسطينية الحاضرة أبدا في خطابات سموه، حيث تواصل قطر «تمسكها بالموقف المبدئي من عدالة هذه القضية التي أصبحت امتحانا لمصداقية ساسة دول العالم تجاه منطقة الشرق الأوسط».

سوريا حضرت أيضا، والسودان واليمن ولبنان وليبيا وأفغانستان وأوكرانيا، وجميعها بحاجة إلى حلول تقوم على الحوار، وفي هذا الشأن أوضح صاحب السمو «أن طريق حل النزاعات بالطرق السلمية هو طريق طويل وشاق، لكنه أقل كلفة من الحروب، والتزامنا بمواصلة جهودنا في تيسير وصناعة السلام هو التزام مبدئي، وهو في صلب سياستنا الخارجية».

وأفرد صاحب السمو حيزا مهما للعنصرية وضرورة محاربتها، داعيا المسلمين إلى عدم الانشغال بـ«معتوه أو مغرض كلما خطر بباله أن يستفزنا بحرق القرآن الكريم أو بنذالة أخرى. فالقرآن أسمى من أن يمسه معتوه. قال تعالى: (خذ العفو وأْمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين). وفي الوقت ذاته أقول لكل من يبرر هذه الأفعال القبيحة بأنها حرية تعبير: لا يجوز أن يكون المس المقصود بمقدسات الآخرين نموذجا عن حرية التعبير».

منذ انضمامها إلى المنظمة الدولية عام «1971»، عملت دولة قطر دون كلل لتحقيق أهداف المنظمة ومبادئها، وفي مقدمة ذلك الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، ودعم جهود التنمية الدولية، وتعزيز حقوق الإنسان وترسيخها، والمشاركة في الجهود والمبادرات الجماعية لمعالجة التحديات التي تواجه العالم، وطوال أكثر من نصف قرن حملت القضايا العادلة للأمتين العربية والإسلامية إلى العالم، وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية، وكانت الأولى في نقل أصوات الضعفاء والمهمشين، تدافع عن قضاياهم، في المحفل الدولي كل عام، وترفق أقوالها بالأفعال عبر تقديم العون والمساندة، وكانت صاحبة مبادرة حماية التعليم من الهجمات، لصالح الأطفال والشباب، لإيمانها الذي لم يتزعزع يوما بأن التعليم من شأنه مواجهة التطرف والعنف، وتحقيق التنمية المستدامة.

وكما أدركت أهمية التعليم وعملت من أجله على المستوى العالمي، أدركت أيضا أهمية تحصين الشباب عبر مكافحة الفساد، فاستضافت الدورة الثالثة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية مكافحة الفساد والتي تبنت آلية استعراض تنفيذ الاتفاقية، وأصبحت معلما أساسيا في الجهد الدولي المشترك لمكافحة الفساد وتعزيز الالتزام بالاتفاقيات الدولية، كما خصصت جائزة دولية سنوية لمكافحة الفساد باسم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، منذ عام «2016»، وتوالى تقديم الجائزة في السنين التالية.

لذلك كله جاء خطاب صاحب السمو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد مرة أخرى على ضرورة اقتران الأقوال بالأفعال، من أجل إحداث تغيير له معناه لصالح الإنسانية جمعاء.

آخر نقطة

وهذه أود أن أتركها للسيد دينيس فرانسيس رئيس الدورة الـ«78» للجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي شدد على أن مشاركة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى في اجتماعات الجمعية العامة تعبر عن التزام سموه وحكومة وشعب قطر، ليس تجاه الأمم المتحدة والتعددية، بل تجاه مستقبل البشرية ومستقبل العالم بأسره، لضمان أن يعيش الناس حياة كريمة، وأن يتمكن العالم من معالجة المشاكل الأكثر إلحاحا التي تواجهه.

هذه قطر، وهذا هو صاحب السمو حامل لواء الأمن والسلم الدوليين من أجل غد أفضل لجميع شعوب العالم.

محمد حمد المري - رئيس التحرير المسؤول

copy short url   نسخ
20/09/2023
125