+ A
A -

إنني أقرر أنه إن وجدت في الأرض دولة لا يستطيع كل واحد من افرادها، ان يعيش من غير أن يُلحق الأذى ويقترف الإثم، وحيث (يتحول) المواطنون لصوصاً بالضرورة، فليس الآثم الذي ينبغي أن يشنق، بل ذلك الذي أجبر الآثم على ان يغدو آثماً كي يعيش. «جان جاك روسو»..

يختار روسو انطلاقة حياة إميل الجديدة، والانتقال إلى حياة العمل والكد، عبر النجارة، ويتجنب هنا مسطرة النظام البرجوازي الاجتماعي في عهده، في سبيل تحرير الوحدة الشعبية التي يصبو لها من تلك الهيمنة، المرتبطة بالقصر وبالكنيسة، وأن الحرية الشعبية للطبقات المهنية، تُوَلِّدُ بين الناس تعاقداً اجتماعيا في منافعهم، يُهيئهم لهدف روسو الكبير في الثورة.

ولذلك فإن قاعدة روسو عظيمة هنا في تحميله، أصل الإدانة على مركزية الحكم السياسي، وسياسته الاقتصادية التي هشّمّت آمال الناس، أو استقوت عليهم في زمن محنتهم، ويحضرنا هنا موقف عمر بن الخطاب من إسقاط قصاص السرقة عام الرمادة، وتوجيه دُرته الدائم، على الأمراء والولاة قبل أي أحد في تحقيق مدار الاتهام.

وهنا يعود روسو بقوة لمهاجمة النظام السائد، وخاصة ارتباط الناس به، وما يترتب عليه من إفسادٍ للأجيال، ويجزم بتنبئه بالثورة عليه لا محالة، كل هذه النداءات وما تبعها، من تحذيره لأثر هذه الثورات على الناس أنفسهم، أودعه روسو في كتاب إميل، وهو يدعو لنظامه التربوي المختلف قبل السقوط، ولذلك قلنا دائماً أن جنوح روسو السياسي والغضب من النظام الاجتماعي والديني المرتبط بالقصر، هيمن على روح تفكيره وتحريره.

وهو مقصد نبيل من حيث صناعة جيل حر، لكنه عاطفي مشحون يغلب روسو في فهم دلالات المصلحة الفطرية للطفولة، وأن مراحلها، تقتضي حماية جدارها النفسي وتراتبية وعيها، قبل قرار دفعها في جمهور روسو الثوري، الذي لم يدركه في الثورة الفرنسية، وإن الهمت أفكاره نيران حراكها.

ويهوي روسو هنا على تلك الطبقة المخملية التي سرقت حقوق الشعب، بامتيازات المُلك، ويدعو إلى إسقاط تميزها على الشعب، وهو يسطّر مدونة تربوية للفتيان، ويقول إن الطبيعة لم تمنح احداً هذا الحق للسيطرة، في ذات الوقت الذي يُشجّع الطبقة المهنية العاملة، على تحقيق قوتها في يدي إميل ورفاقه، وتدار المنفعة بينهم بعيدا، عن سيطرة القصور وحاشيتها.

يحاول روسو هنا مواجهة تخلق النظام بين الرأس والحاشية، وبين كتلة الشعب النفعية، وهي قصة متجذرة في التاريخ الإنساني، عاشت تحته أوروبا قبل القرون الوسطى وخلالها، ووظف استخدام الدين وطبقة النبلاء النفعيين، لتكريس القوة الظالمة، وهو ما قرن مواجهة الدين في المشروع الثوري الغربي، مع مواجهة الحُكم.

رغم أن روسو وغيره كان لهم إقرارٌ أخلاقي، بوجود عالم غيبي يلعب دوراً مهماً في ترشيد الفرد، وفي تهذيب سلوكه، لكن هذا المعنى الواضح في فلسفتهم، طُوي تحت صخب العنف الثوري.

وهنا تتساءل عن كيف اتفقت رؤية العنف الثوري، بين الماركسية العلمية وخاصة في نبوءة ماركس ومريديه الحُمر، بعد ذلك، مع فلسفة روسو اللبرالية، فالمفاهيم التشريعية، لكفاح الثورة وفواتيرها الدموية، مبررة عند الطرفين، ولكن المآل مختلف، بين المشروع اليساري الأخير، وبين المشروع الليبرالي النهائي.

في حالة أوروبا وُلدت الدولة متماسكة والمجتمع الإداري، أما في واقع رحلة الاتحاد السوفياتي، فإن منظومة الدولة اضطربت وتمزقت، وعاش المجتمع على الأقل في صورته الظاهرية، حالة صراع وكبت، مقابل الحياة الديمقراطية والقانون الدستوري، الذي كانت اللجان المركزية تُفصّل تطبيقاته، بحسب رؤيتها وضمان سيطرتها، على الدولة والشعب معاً، فهل لهذا الأمر فارق مهم؟

وهناك في شرق آسيا مشروع ولادة ليبرالي ديمقراطي، كَرّس أيضا المرجعية الدستورية، ولكنه لم يحتج إلى العنف الثوري، قاده لي كوان في قصة صناعة سنغافورة، دون أن يعبر دورات الثورة الفرنسية في صراعها الدموي، وحصيلة الضحايا الذين تراكموا قبل ميلاد الجمهورية.

يظهر لنا هنا ضرورة التأمل في هذه الفروقات، خاصة حين ننظر إلى واقع الوطن العربي، والمشترك هنا هو استخدام الفكرة الدينية، في تمكين بني أمية وتتبع خصومهم، وفي هدم الدولة الأموية من العباسيين، وفي الهجوم العثماني الشامل، على كل إرادة شعبية للقوميات الأخرى، أو حتى داخل الأناضول، ونعتها بالخيانة الدينية.

مسلسل عاصف، الفارق فيه أن الغرب لا يملك نصوصاً، ولا تجربة سياسية اجتماعية، تنص على أولوية العدالة، أما المسلمون فلديهم ارث النصوص دون تزوير الفقهاء المستأجرين، وتجارب سياسية طبقها الراشدون، ومع ذلك نُحيّت كلمة الله واستَبدل الحكام بها نصوصا محرفة المعنى عن حقيقة الرسالة وحقوق الأمة.

copy short url   نسخ
09/07/2023
80