+ A
A -

يُطلق روسو مشروعه في ضمير إميل الفتى الذي يستعد لمرحلة البلوغ، ويؤسس لذلك نظرية استشعار خاصة، أطال شرحها ولكن خلاصتها في أنه يريد لـ«إميل» حصاد العلم الذي تترتب عليه المنفعة، والمنفعة في هذا السياق ضيقة جداً في طرح روسو، حيث يضبطها من خلال منفعة محسوسة ذاتية بالفتى.

لا تذكر فيها مسؤولية الفتى مع أُسرته، ولا مفهوم شراكته الوجداني معهم، فضلاً عن مساهمته في حصة معيشتهم، وهو هنا يقوده لأهمية فهم الجغرافيا والفلك لهذه المنفعة الشخصية، بعد أن يطرح عليه فكرة هذا العلم، من خلال تركه حتى يوم آخر، ينطلق في البراري، وتغيب عنه معالم القرية واتجاهاتها، ثم يسأل الرجوع بعد الشعور الشديد للجوع.

وليس بالضرورة أن تأتي إجابات الفتيان في الحقيقة، بحسب افتراض روسو: أن إميل لن يجد الطريق ولا دلالته، فقد يعرف البعض طريق الرجوع من الغابات، لكن المقصد استدلاله بوسائط الاتجاهات في الفلك، لمعرفة الشمال والجنوب ثم الشرق والغرب، وتأسيس ركن المنفعة في هذا العلم، الذي يصبح ذو جدوى.

ولكن روسو يسرف من جديد في ذم العلوم والمعارف، ويؤكد أن الكتب ضارة لـ«إميل» إلا كتاب روبنسون كروز، وهي القصة التخيلية عن إنسان انعزل عن البشر، وعاش حياة الطبيعة التي كانت تؤسس لبقائه فيها حياً، ثم تأنيس روبنسون العالم المتوحش لخدمته، والتأمل في مقصد روسو هنا، يشير إلى رفضه لمنظومة التعليم والثقافة، في فرنسا، وأنها جنحت خارج إطار الطبيعة وتراكمت لديها الكتب غير المفيدة.

وهذا فيه نزعة حادة من روسو اشبه بالثورة الثقافية، وإن خص إميل بهذا العزل لأن (الكتب ضارة فهي تعلمه بأن يخوض فيما لا يعرف) حسب قوله، ولو أعدنا التدقيق في فكرة روسو بربط إميل بروبنسون كروز، وحذف ما بعده وما أصدرته المعرفة الغربية، ومنها التاريخ الاجتماعي السياسي، وخاصة للرومان، الذي اخذ حيزاً ضخماً من مرجعية روسو في العقد الاجتماعي.. سنُلاحظ هنا حرص روسو، على فرض قطيعة فكرية مع مآل المنتج الفكري الغربي، بسبب ما يعيشه ضمير روسو من حالة غضب واحتجاج، فهو يُدير مركزية الفكرة لديه ويؤكد موقفه في رفض تيه تلك العولمة الأوربية الثقافية، وانحرافها عن منهج المعرفة النافع للإنسان، وما تحتاج الأجيال لتتربى عليه.

ومع أن روسو لم يقف عند جدلية إقصاء إيمان الروح، ودلالتها في قيمة التأمل في الطبيعة، لما وراء المادة وأخلاقياتها في حياة الناس، إلا أن روسو يكاد يكون حرثه في الأرض متطابقاً مع هذا المعنى، وهو يشكو بقوة وبقسوة من جفافها في علوم الغرب الحديثة.

وعلى نفس هذا المنوال تبحر رحلة روسو مع إميل، حين يقتحم عالم العلاقات الاجتماعية، ويؤسسه روسو هنا بإدارة المنفعة بين الناس، وأن إميل يجب أن يُكرّس عنده هذا المعنى حتى يكون مؤهلاً ومستعداً، للدخول في المجتمع، ويرفض روسو استدعاء الطبقات السائد والمرتبط بالقصر، لكنه يُعيد تصنيفها بمنفعة المصالح المشتركة.

في هذا المعنى هناك نصٌ قرآني لهذا التنظيم، لكن شمولية القرآن في العلاقات الإنسانية، أوسع بكثير وأدق من عقل روسو الحاد في مرجعية المنفعة، أو العلوم ذاتها، فضلاً عن أخلاقيات القرآن بين الناس..

يتضح ذلك في قوله تعالى: (أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون). الزخرف

فهنا نص واضح من أن الله وزّع القدرات بين الناس، ليتخذ بعضهم بعضا سِخريا، أي يقوم كل منهم بدوره في عمران الأرض وحرثها وصناعتها وزراعتها، وقيادة مهامها، فيتحقق التكامل المنفعي، عبر التعاون والتعاضد، غير أن مركز الأخلاق، ودور النبوة المرشد لمصدر المعرفة الكبرى، يظل قائماً بهدي الله وبدلالة العقل عليه.

وهذه السُخرة المتبادلة تنتظم حتى مع مسؤوليات الدولة، أو الرعاية السياسية، فمفهوم المسؤول هنا من رئيس البلدية إلى رئيس أو زعيم الدولة، متصل بهذه القاعدة تسخير مهمته لصالح الناس وانه أجيرٌ لذلك، وليس منّة عليهم، في ذاته ولا في عطاءاته.

نعم هناك محسنٌ مقرب من ضمير شعبه، بتأمين احتياجاتهم، ومعاشاتهم، دون ربطهم بمظلة حمده، بل حمد الله، وإن كان من الطبيعي، شكرهم له، وتقديرهم لعدالته، لكن بالمقابل فالإسلام يرفض التقديس للحاكم، ويُسقط شرعية المنّ والأذى باسم الزعيم، فكيف إذا كان مصير الناس لا إحسان ولا عدل، ثم يعمم عليهم حَمدُ الحاكم صباح مساء!

مهنا الحبيل باحث عربي مستقل رئيس المركز الكندي للاستشارات الفكرية

copy short url   نسخ
25/06/2023
190