شارك حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في القمة العربية الإسلامية الأميركية، وفي القمة الخليجية الأميركية، واللقاء التشاوري السابع عشر لقادة دول مجلس التعاون.
وشهد سموه، حفظه الله، تبادل مذكرة تفاهم بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأميركية لتأسيس مركز لاستهداف تمويل الإرهاب.
ثلاث قمم غير مسبوقة، شهدتها الرياض تحت شعار «العزم يجمعنا»، هدفها جميعا بناء علاقات مختلفة تقوم على التصدي بحزم للمشكلات والقضايا الشائكة التي تؤرق عالمينا العربي والإسلامي، وبناء علاقات وفق أسس موضوعية، أساسها التصدي بقوة لكل التهديدات التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها خطر الإرهاب والتطرف وتمويل الجماعات الإرهابية، وطرق مواجهتها، والأعمال المختلفة التي يجب العمل عليها لمكافحة خطر الإرهاب.. وكانت مذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأميركية، لتأسيس مركز لاستهداف تمويل الإرهاب، أحد أبرز مفاعيلها.
القمم الثلاث سبقتها يوم السبت قمة سعودية- أميركية مشهودة، تم خلالها التوقيع على الرؤية الاستراتيجية المشتركة، والتي تشكل بحق نقطة تحول في العلاقات من خلال تكثيف عمليات التشاور والتعاون، سواء في مكافحة الإرهاب أو الدفاع أو التقنية أو التعليم أو التجارة أو الاستثمار.
لقد كان لي شرف الوقوف عن كثب على فعاليات يومين تاريخيين، إذ كان هناك شبه إجماع على أن نتائج هذه القمم سوف تكون أوسع وأكثر تأثيرا خلال الفترة المقبلة، مما يرجح حدوث تغييرات على الأرض، تعيد الأمور إلى نصابها، وتساهم في حل أزمات المنطقة.
هاجس الإرهاب كان حاضرا بقوة، وكان واضحا أن القضاء عليه يحتاج إلى التضامن والتعاضد للمضي قدما نحو مواجهته واستئصاله، والسعي للوصول إلى تجفيف منابع تمويله، وهذا بالتحديد ما دأبت قطر على الدعوة إليه، وكانت السباقة فيه، باعتباره ظاهرة عالمية، تستهدف الجميع، وتهدد أمن المنطقة والعالم بأسره.
إن ما قاله الرئيس الأميركي أمام القمة العربية الإسلامية- الأميركية من أن قطر شريك استراتيجي في مواجهة الإرهاب، يؤكد مواقف قطر الثابتة من هذه القضية، وسلامة إجراءاتها وتحركاتها، وفاعليتها وأهميتها أيضا.. وهذا أمر جلي وواضح لكل متابع أو مراقب.
وكعضو في المجتمع الدولي، لم تأل قطر جهدا على المستوى الإقليمي أو في إطار الأمم المتحدة في مكافحة الإرهاب، وكانت عضوا فاعلا في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية ضد تنظيم «داعش»، ولعبت دورا كبيرا من خلال «إعلان الدوحة» المنبثق عن مؤتمر الأمم المتحدة الثالث عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في عام 2015، حيث تضمن الإعلان تطبيق برنامج شامل لمكافحة التطرف العنيف، من خلال إعادة تأهيل السجناء والاندماج الاجتماعي، بالإضافة إلى مبادرات لتعليم الشباب، ومساهمتها بـ 49 مليون دولار، والتي تساعد في تحويل نوايا الأمم المتحدة الطيبة إلى أفعال ملموسة في مواجهة خطر الإرهاب، بالإضافة إلى قيام قطر بتوفير فرص تعليم لأكثر من سبعة ملايين طفل، وخلق أكثر من «300» ألف فرصة عمل، لتعطي الأمل لأولئك المهددين بخطر التجنيد لدى جماعات إرهابية.
أدركت قطر في وقت مبكر للغاية مدى خطورة الإرهاب وتداعياته المدمرة على المجتمعات، لذلك لم تكتف بتوجيه التحذيرات، ولا بتنبيه هذا الطرف أو ذاك، وإنما عملت بدأب من أجل القضاء على مسبباته، ومن ذلك استمرار الصراعات في منطقة الشرق الأوسط دون حلول عادلة ونهائية، كما هو الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية، أو المسألة السورية، حيث تسلل الإرهاب في الداخل السوري، مستفيدا من الدعم الخفي لمليشيات إرهابية تحالفت مع النظام لقمع الشعب، لأنه طلب العيش بكرامة، وبأسلوب سلمي.
لقد كان الإرهاب محورا أساسيا من محاور قمم الرياض، والذين شاركوا في هذه القمم جميعهم على دراية بأن أي عمل فعال ومؤثر لاستئصاله لابد أن يقوم على إزالة مسبباته، ومن ذلك إيجاد حل عادل للحرب السورية تراعي حقوق الشعب وتحقق له طموحاته المشروعة للعيش بحرية، وفق قرارات جنيف التي تنص على حكم انتقالي يلبي هذه التطلعات، وما ينطبق على الشأن السوري، ينطبق على الشأن الفلسطيني أيضا، وعلى كل بؤرة صراع أخرى.
لقد أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عن إطلاق المركز العالمي لمواجهة الفكر المتطرف، وأكد، في إشارة لها مغزاها، التمسك بالتنمية كخيار استراتيجي لمواجهة التطرف والإرهاب، وسمعنا الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يؤكد أن مكافحة الإرهاب «ليست حربا بين الأديان المختلفة، أو المذاهب المختلفة، أو الحضارات المختلفة»، بل هي معركة بين المجرمين الذين يسعون للقضاء على الحياة، والناس الأتقياء من كل الأديان الذين يسعون إلى حمايتها، إنها معركة بين الخير والشر، في مقاربة مهمة سوف يكون لها أثرها من أجل توحيد المواقف على صعيد استئصال هذه الظاهرة المدمرة.
نعم هي معركة بين الخير والشر، بين شعوب تريد الأمن والاستقرار وتسعى إليهما، وبين جماعات إرهابية صنعتها أنظمة متطرفة، لتبرير جرائمها بحق شعوبها، وإرهاب العالم بأسره، وهو تحول مهم في فحوى الخطاب الأميركي الذي دأب على ربط الإرهاب بالإسلام، يعود في جانب رئيسي منه إلى هذه الزيارة المهمة للمملكة العربية السعودية، حيث تمكن من رؤية الحقائق عن كثب ومعايشتها عن قرب، وتلمس الحقيقة التي غابت أو تم تغييبها طويلا، وخلاصتها أن دول المنطقة كانت الضحية الأولى للإرهاب.
إحدى فضائل الرئيس الأميركي أنه مستمع جيد للغاية، وأنه لا يجد حرجا في تبديل مواقفه وتطويرها أمام الحقائق، إنه نوعية من الرؤساء لا تنطلق من مواقف مسبقة، وإن فعل فإنه يحاول تحري الحقائق والعمل بموجبها، هذه هي النظرة السائدة في أروقة القمة، والتي تدفعني للقول دون تردد إن المنطقة قبل يوم الحادي والعشرين من مايو 2017 شيء، وما بعدها شيء آخر.
هو يوم مختلف بالفعل سوف يبقى علامة فارقة في تاريخ العلاقات الخليجية- الأميركية، عبر شراكات دفاعية وأمنية واقتصادية واستثمارية، سوف تصب جميعا في صالح شعوبنا، وتضع لبنة راسخة وقوية للحفاظ على أمن هذه المنطقة الحيوية من العالم.
وهو يوم مختلف أيضا، لأنه، كما نأمل، سوف يسهم في إيجاد حلول عادلة للقضية الفلسطينية، وفي إنقاذ الشعب السوري من المأساة المروعة التي تعصف به، ويوم مختلف على الصعيد اليمني حيث المأساة هناك أيضا باتت أخطر وأكثر ترويعا.
لقد كانت مشاركة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى وحضوره المؤثر محل تقدير لمواقف سموه وحرصه على لمّ الشمل والتعاون والتنسيق، وذلك من خلال مواقف مشهودة، وخاصة ما يتعلق منها بمكافحة الإرهاب، عبر القضاء على مسبباته، وموقف سموه من ضرورة الفصل ما بين الاختلافات السياسية والتعاون في المجالات الأخرى، ومنع هذه الاختلافات من التأثير سلبا على مستوى العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وغيرهما.
في الرياض جمعنا العزم، والإرادة، الأمل، والتكاتف لمضاعفة العمل، وتحقيق تطلعات الشعوب، فكان يوما مختلفا بحق، نأمل أن يكون فاتحة خير لدولنا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية، من أجل مرحلة جديدة عنوانها الأمن والاستقرار والرخاء.
بقلم : محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول