+ A
A -

أود أن أبدأ من ترحيب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في كلمته، بافتتاح مؤتمر الأمم المتحدة الخامس المعني بأقل البلدان نموا، أمس، بالحضور في الدوحة، التي وصفها سموه بـ«المدينة التي تقدم فضاء للوساطات والحوارات والمؤتمرات المتعددة الأطراف والنشاط الثقافي والإنتاج الفكري، المدينة التي شهدت مؤخرا أنجح دورات كأس العالم، متمنياً لهذا المؤتمر تحقيق الأهداف المنشودة، وتحقيق تطلعات شعوب هذه البلدان التي تتجه أنظارها إلى ما سيتمخض عن هذا المؤتمر المهم».

التعاون بين قطر والأمم المتحدة قديم، ورعاية الدوحة واستضافتها للفعاليات والمؤتمرات الأممية الكبرى، واستضافة مفاوضات ثنائية مباشرة أو متعددة الأطراف لدول إقليمية، أو تقديم مبادرات إنسانية وإغاثية في أوقات الأزمات والجوائح، كلها شهادات على نجاح قطر ودبلوماسيتها، ودورها الفاعل في العمل الدولي متعدد الأطراف في مختلف المجالات، التنموية، والإنسانية، وحقوق الإنسان، والوساطة لتعزيز السلم والأمن الدوليين.

اليوم ينعقد في الدوحة «مؤتمر الأمم المتحدة الخامس المعني بالبلدان الأقل نموا»، وانعقاده شهادة إشادة من الأمم المتحدة، ودليل على ثقة المجتمع الدولي بالدوحة كعاصمة ذات ثقل دبلوماسي مشهود، تحاول قطر من خلاله دفع التضامن مع البلدان الأقل نموا من مجرد قرارات إلى خريطة طريق، من شأنها ضم الجميع إلى ركب التقدم والازدهار.

استضافة المؤتمر تأتي بتوجيه من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، استنادا لسياسة قطر القائمة على الشراكة مع المجتمع الدولي، وانسجاما مع التزامها وحرصها على دعم قضايا البلدان الأقل نموا، وثقة من الدوحة بأن هذا المؤتمر سيساهم في تلبية احتياجات وأولويات هذه البلدان، ودعم مسيرتها نحو تحقيق التنمية فيها للسنوات العشر القادمة.

من هنا جاء حرص صاحب السمو على مخاطبة المؤتمر، الذي انتُخب رئيسا له، وكانت كلمة سموه واضحة لجهة تحديد المسؤوليات واقتراح الحلول، واختيار وتنفيذ سياسات فعالة للتغلب على المشكلات القائمة، وهي كثيرة وكبيرة، ومن المؤكد أن الأمل معقود على برنامج عمل الدوحة من خلال تحويله إلى إطار يضم التزامات من الدول الكبرى، بحزمة إعفاءات من الديون، ومساعدات مالية وتنموية للدول الأقل نموا، لمواجهة مرحلة ما بعد الجائحة والركود الاقتصادي الذي قد يشهده العالم مع استمرار العمليات العسكرية في أوكرانيا، وتوقف سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار وشح المواد الخام، وهو أيضا ما حذر منه بالأمس السيد أنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، خلال كلمته، عندما طالب بضرورة تحويل برنامج عمل الدوحة إلى نتائج ملموسة، والالتفاف حول هذا الهدف وبأسرع وقت ممكن، خاصة وأن العالم معرض لمتغيرات غير متوقعة.

من هنا كان إعلان صاحب السمو أمام المؤتمر عن تقديم مساهمة مالية بإجمالي مبلغ «60» مليون دولار أميركي، يُخصَّص منها مبلغ «10» ملايين دولار لدعم تنفيذ أنشطة برنامج عمل الدوحة لصالح أقل البلدان نمواً، ويُخَصَّص مبلغ «50» مليون دولار لدعم النتائج المُتوخاة لبرنامج عمل الدوحة، وبناء القدرات على الصمود في أقل البلدان نمواً.

الكلمة السامية لصاحب السمو جاءت شاملة ودقيقة وواضحة، لما يتعين القيام به، دعما لأقل البلدان نموا، حيث الملايين يعانون الفقر ونقص الغذاء والخدمات الصحية والتعليمية، وهي الأساس لبناء مجتمعات معافاة قادرة على النهوض والعطاء.

في بداية الكلمة أشار سموه إلى مجموعة التحديات التي تواجه هذه الدول:

- النزاعات الدولية الجديدة.

- أزمة الأمن الغذائي العالمي.

- ظاهرة تغير المناخ.

- استمرار بعض آثار جائحة «كوفيد 19»

لقد بدأ سموه باستحضار هذه التحديات من أجل الولوج إلى المشكلة الراهنة، التي وصفها بـ«المشكلة البنيوية» التي تتعلق بغياب العدالة عن العلاقة بين المراكز الصناعية المتقدمة والأطراف في عالمنا.

كما أوضح بجلاء وصراحة ما تعاني منه البلدان الأقل نموا، بسبب السياسات الاقتصادية التنموية الرشيدة، حيث نجح البعض في تجاوز التهميش نتيجة سياساته التنموية، مشيرا إلى أنها في جميع الأحوال، تبقى قضية عالمية، وهذا ما يجب أن تدركه الدول المتقدمة ومجتمعاتها.

أمام هذا الواقع أوضح سمو الأمير، حفظه الله، أن لا سبيل يمكن من خلاله بناء عالم جديد أكثر أمانا وعدلا وحرية لليوم والغد، سوى سبيل التضامن الدولي الإنساني، في مواجهة التحديات المشتركة واستشراف حلول ناجعة ومستدامة لها.

من هنا جاء تأكيد سموه على أن برنامج عمل الدوحة، الذي توِّجت المفاوضات الحكومية في نيويورك بالاتفاق عليه، هو أساس لخارطة الطريق لدعم ومواجهة مشكلات أقل الدول نموا في العقد المقبل، ولا يكتمل نجاح المؤتمر بإقراره فحسب، بل أيضا بحسن تنفيذه.

في كل ذلك كان واضحا تأكيد صاحب السمو على ضرورة التضامن ووحدة الإرادة لمواجهة التحديات المشتركة، واستشراف حلول ناجعة ومستدامة لها، فكان أن أشار مرارا إلى المسؤولية العالمية المشتركة في مواجهة تحديات الأمن الغذائي، والتغير المناخي، وأزمة الطاقة، وأزمة الديون، مشددا على أن إيجاد الحلول هي مهمة ومسؤولية جماعية وتشاركية بين الدول كافة. بالإضافة إلى المسؤولية الأخلاقية الواجبة على الدول الغنية والمتقدمة في أن تسهم بشكل أكبر في مساعدة أقل الدول نموا بغية التغلب على التحديات العالمية.

كانت كلمة صريحة وواضحة، حددت المشكلات والتحديات، وأوضحت المسؤوليات، لذلك كانت إشارة سموه واضحة حول مسؤولية أقل البلدان نموا في تهيئة الظروف المواتية، لتحويل الالتزامات المشتركة إلى فعل وطني على مستوى الاستراتيجيات، والخطط، والتشريعات الوطنية، واتباع سياسات رشيدة في الحاضر، مع أخذ المعوقات البنيوية القائمة بالاعتبار.

كلمة صاحب السمو وثيقة هامة، وخريطة طريق واضحة المعالم، لمواجهة التحديات القائمة، ومنها أزمة الأمن الغذائي، حيث تطرق إلى نقطة في غاية الأهمية عند الحديث عنها، مشيرا إلى أنه لا يمكن حلها عبر المساعدات الإنسانية الطارئة أو المعالجات المؤقتة فقط، وإنما عن طريق مساعدة الدول على تحقيق الأمن الغذائي، مسترجعا سموه ما تم طرحه من مبادرات في إطار معالجة جذور المشكلة، مثل مبادرة التحالف العالمي للأراضي الجافة، وذلك لتمكين الدول ذات الأراضي الجافة من تحقيق الأمن الغذائي.

أيضا أزمة الديون التي طالب سموه بمعالجة أشمل لها، تتوخى العدالة والواقعية وكسر الحلقة المفرغة التي تستدين فيها الدول لأغراض تنموية، مثل إرساء البنى التحتية وغيرها، ويفاقم سداد الدين من الفقر ويحول دون القيام بمشاريع تنموية.

لقد أوضح حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في كلمته، طبيعة التحديات والمشكلات، ولم يكتف بعرضها أو الحديث عن تداعياتها، وإنما حدد طبيعة الحلول الملائمة لها، والشرط اللازم للنجاح في حلها عبر التضامن الدولي، وقد قدمت قطر مثالا يحتذى، عبر إعلان سموه عن تقديم «60» مليون دولار أميركي لمساندة وتنفيذ برنامج عمل الدوحة، والأمل معقود على دول العالم الصناعية المتقدمة لتقديم كل ما من شأنه إنجاح برنامج عمل الدوحة، باعتباره أول برنامج عمل ينطوي على أدوات وتدابير مهمة لإحداث التغيير المطلوب.

صاحب السمو تناول في بداية كلمته أيضا النتائج الكارثية للزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا، حيث أعرب عن التضامن التام مع الشعبين التركي والسوري، وأكد سموه على ضرورة مد يد العون من دون تردد للشعب السوري الشقيق، مشيرا في هذا الصدد إلى عدم جواز استغلال المأساة الإنسانية لأغراض سياسية، وهو ما أكدته قطر على أرض الواقع عبر تقديم مختلف أنواع المساعدات للشعب السوري دون تأخير.

استضافة قطر لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس المعني بأقل البلدان نموا، فرصة مهمة للغاية من أجل إحداث فارق حقيقي لواحدة من أكثر القضايا إلحاحا، ونأمل أن يتكاتف الجميع من أجل الوصول إلى الأهداف المرجوة، دون إبطاء

أو تأخير.

محمد حمد المري - رئيس التحرير المسؤول

copy short url   نسخ
06/03/2023
265