مع انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأميركية وصولاً إلى تسلمه مقاليد السلطة رسمياً والبدء باختيار فريق إدارته في البيت الأبيض سارعت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتانياهو إلى الاستفادة من تصريحاته ومواقفه خلال حملته الانتخابية، والتي أكد فيها دعم إسرائيل والتعهد بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس إذا ما وصل إلى البيت الأبيض.
وعمدت حكومة نتانياهو إلى تنفيذ برنامج بناء استيطاني واسع النطاق في الضفة الغربية وتبع ذلك «تشريع» الكنيست الإسرائيلي البؤر الاستيطانية في العديد من مناطق الضفة وبالتالي الإعلان رسمياً عن سلب أراضي الفلسطينيين على مرأى من العالم أجمع، فيما واكب ذلك تصريحات إسرائيلية تعلن أنه لن تكون هناك دولة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، سوى دولة واحدة هي الدولة اليهودية.
هذه الخطة الإسرائيلية التي يجري العمل على تنفيذها على أرض الواقع تحت ظلال «أوسلو» ترى حكومة نتانياهو أن الفرصة باتت متاحة اليوم للإعلان عنها والمجاهرة بها ومحاولة انتزاع تأييد إدارة ترامب لها.
انطلاقاً من ذلك وجدت حكومة نتانياهو في مواقف ترامب الساعي إلى كسب رضا «إسرائيل» واللوبي الإسرائيلي في أميركا لمساعدته على الحد من المعارضة التي تواجه سياساته في الكونغرس وفي الإعلام، وجدت في مواقف ترامب، وحاجته لها، أكبر هدية لها في لحظة تعاني فيها «إسرائيل» من تزايد العزلة الدولية على خلفية تماديها في سياسة التوسع الاستيطاني ورفض حل الدولتين.
ولهذا بدأت الحكومة الإسرائيلية تعمل بالتعاون مع اللوبي الإسرائيلي الأميركي (ايباك) على الاستفادة من مواقف ترامب من أجل تحقيق ثلاثة أهداف هي:
الهدف الأول: العمل على فك العزلة الدولية التي تعاني منها «إسرائيل» في الساحة الدولية والأمم المتحدة ومجلس الأمن، وذلك عبر عودة الإدارة الأميركية إلى استخدام نفوذها الدولي لمنع صدور أي قرارات دولية جديدة ضد «إسرائيل»، وكذلك الحد من حملات المقاطعة في الدول الغربية والولايات المتحدة لمنتجات المستوطنات الإسرائيلية.
الهدف الثاني: اقناع إدارة ترامب بدعم وتغطية سياسة الاستيطان في القدس الشرقية والمستوطنات الكبرى في الضفة الغربية مقابل وعد إسرائيلي شكلي باحترام حل الدولتين.
الهدف الثالث: عدم ممارسة واشنطن أي ضغوط على «إسرائيل» لاستئناف عملية المفاوضات لإنجاز حل نهائي على أساس حل الدولتين، باعتبار أن لا الظروف الإسرائيلية ناضجة لذلك، ولا الوضع الفلسطيني.
طبعاً هذا التكتيك الإسرائيلي القديم الجديد إنما يستهدف الحصول على غطاء أميركي كامل لمواصلة إسرائيل سياسة الاستيطان التي كانت إدارة أوباما تعترض عليها كونها تقضي على حل الدولتين وتؤدي إلى دولة ثنائية القومية ليست في مصلحة «إسرائيل». كما يستهدف هذا التكتيك تكريس أمر واقع إسرائيلي يفضي تحقيق هدف إعلان الدولة اليهودية العنصرية على كامل أرض فلسطين التاريخية.
ويبدو أن هذا الهدف الإسرائيلي يشق طريقه عشية زيارة نتانياهو إلى واشنطن حيث أعلنت مصادر البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي سيؤيد تسوية سياسية بين إسرائيل والفلسطينيين حتى ولو لم تكن على أساس حل الدولتين.
ولهذا فإن السؤال الملح الذي يطرح على جدول الأعمال، فلسطينيا أولاً، وعربيا ثانياً هو ما هي خطة المواجهة؟
والجواب واضح ولا يحتاج إلى كثير عناء للإجابة عنه. المفاوضات ماتت واتفاق أوسلو أصبح ميتاً منذ زمن طويل، وليس هناك من خيار إلاّ التوقف عن الاستمرار في هذا الطريق المظلم، والعودة إلى توحيد الصفوف على أساس الالتزام بالثوابت الوطنية والقومية والتمسك بالحقوق وسلوك طريق المقاومة والانتفاضة الشعبية والمسلحة اللغة الوحيدة التي ثبت بالدليل والتجربة أنها السبيل لمواجهة المحتل وإحباط مخططاته، والوقائع تؤكد أن العدو لم يتوسع في احتلاله واستيطانه وتزداد الهجرة الصهيونية إلى فلسطين إلاّ في ظل المفاوضات وتوقف المقاومة والانتفاضة، أما عندما كانت المقاومة والانتفاضة مشتعلة فإن العكس هو ما كان يحصل، فالاحتلال لا يستقر ويزدهر في ظل المقاومة والانتفاضة، بل يعاني من الاستنزاف والتراجع، فيما الشعب الفلسطيني يتوحد ويحظى بالتضامن العربي والدولي مع نضاله، وتتحقق وحدته الوطنية وتتراجع التناقضات في صفوفه، في استعار التناقضات في صفوف العدو.
فهل يكون ذلك كافياً لأخذ العبر والدروس للعودة إلى طريق المقاومة المسلحة، الذي سلكته كل الشعوب التي واجهت احتلالاً وتمكنت بوساطته من التحرر ونيل حريتها واستقلالها الوطني؟