+ A
A -
صلاح سلامكاتب لبناني

إذا كان انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان يتطلب توافقاً دولياً وإقليمياً، فإن الاتفاق على صيغة مناسبة لاجتماعات حكومة تصريف الأعمال، يبقى شأنا داخلياً بامتياز، وخطوة ضرورية وبالغة الأهمية، لأن البلد يعاني من أزمات متدحرجة، في ظل هذا الشلل بالسلطة، وما يفرزه من تسيّب في إدارة الشأن العام، وتضخم حركة الإضرابات التي تكاد تشمل مختلف القطاعات الإدارية والتعليمية والخدماتية.

أما استمرار الفشل في معالجة مسألة الجلسات الحكومية، فسيؤدي إلى تراكم العجز في التصدي للملفات الملحة، ويُسرّع خُطى سقوط لبنان في حفرة الدولة الفاشلة، التي يقف على مهواها في السنوات الأخيرة.

لم يعرف لبنان في تاريخه الاستقلالي مثل هذه المحنة التي قلبت أوضاع البلد رأساً على عقب، وهوت باللبنانيين إلى مهاوي الفقر والعوز، وهددت أوصال الدولة ودورها، وكشفت فساد وفشل المنظومة السياسية في إدارة شؤون البلاد والعباد.

ولعل أبشع مشاهد الفشل الذريع لأهل الحكم، تجسد بقرار الأمانة العامة للأمم المتحدة بمنع لبنان من التصويت في الجمعية العامة للمنظمة الدولية بسبب تخلفه عن سداد بدل اشتراكه السنوي، الأمر الذي لم يحصل في أشد سنوات الحرب قساوة، في ظل انقسام الدولة بين حكومتين وجيشين وسلطتين.

محاولات ترحيل حمولة الأزمات وما يُحيط بها من كوارث اقتصادية ومالية، وما تحمله من معاناة ومآسٍ اجتماعية ومعيشية للأكثرية الساحقة من اللبنانيين، إلى العهد الجديد، فهو تهرب فاضح من المسؤولية، ودليل آخر على عجز أهل الحكم عن الحد من الانهيار، على الأقل، بعدما ثبتت عدم قدرتهم على الإصلاح والإنقاذ.

كان من الممكن التعويل على حركة التغييريين لو جاءت الخطوة في إطار الدعوة التي أطلقها الرئيس نبيه برّي للحوار النيابي حول الانتخابات الرئاسية، ومحاولة الوصول إلى مرشح توافقي، وطي صفحة جلسات الأوراق البيضاء. ولكن إصرار النواب الجدد على التفرد بقراراتهم، واتباع أساليب الظهور بالصدمات المفاجئة، أضاعا إمكانية تحويل الاعتصام إلى فرصة للحوار مع الآخر، الذي بقي متحفظاً في التعامل مع هذه الخطوة التي تبقى ناقصة، لأنها لم تستقطب تأييد ودعم الكتل النيابية الكبيرة.

قد تكون الصيغة التوافقية لمبدأ ديمقراطية الانتخابات، التي تفتح أبواب التنافس بين مُرشحيْن أو أكثر، ولكن المحنة القاسية التي يتخبط فيها البلد، والانقسامات العمودية الحادة بين الأطراف السياسية، والحساسيات الطائفية التي بدأت تظهر على الجسد اللبناني، تقضي بتجنب لبنان، الصيغة والدولة، معارك كسر عظم، ينتج عنها منتصر ومنهزم، حتى لا تأخذ القضية الطابع الطائفي البغيض، ونعود إلى دوائر المواجهة والنفور والإحباط.

في المبدأ، نحن ضد التوافقية التي تُعلِّب الممارسة الديمقراطية، ولكن الظروف الاستثنائية التي يمر بها وطننا المنكوب، تتطلب اللجوء إلى خطوات وخيارات استثنائية، للخروج من النفق المظلم وبلوغ شاطئ الأمان.

copy short url   نسخ
24/01/2023
5