+ A
A -

‫يوم للتاريخ.. لذاكرة الوطن.. للعالم أجمع.. يوم يدوّن في السجلات بماء الذهب، ويخلّد في الأرشيف في مجلد، عنوانه المجد، وشعاره من جد وجد.

في حياة الدول.. هناك محطات.. وإنجازات.. وتضحيات للوصول لأعلى المراتب وأفضل المكاسب، وفي قطر منذ عصر المؤسس تاريخ حافل ومشوار طويل ورحلة بناء بسواعد أبناء الوطن، وصولاً لعهد الإنجازات العالمية والسمعة الدولية.. والمكانة الكبيرة بين الأمم في كافة المجالات وعلى مختلف الأصعدة..

وفي هذه المسيرة المظفرة أيام خالدة لا تنسى.. وقصص تستحق أن تروى.

اليوم نحتفي بحدثين بارزين: اليوم الوطني، ونهائي بطولة «كأس العالم قطر 2022»، وبينهما علاقة وثيقة تستحق التأمل.. منذ أن بدأ الاحتفال باليوم الوطني باعتباره المناسبة الجامعة التي يعتز بها الوطن لما تمثله وتجسده من دلالات ومبادئ يفخر بها شعبنا، ويرى فيها مناسبة لترسيخ قيم الولاء والوحدة لدى أبناء الوطن الواحد، على نهج المؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني، طيب الله ثراه، وقطر تصنع الإنجاز تلو الآخر، وتؤكد على المضي في الطريق الذي اختطته لتبقى في مصاف الدول المتقدمة، دون الإخلال بالقيم الأصيلة التي قامت عليها وواصلت بها مسيرتها المباركة.. فجمعت المجد من أطرافه.

من هنا بالتحديد تبدو العلاقة بين الحدثين في أوضح صورها، ذلك أن الإنجازات الكبيرة التي تحققت في قطر خلال العقدين الماضيين تحديدا، أدت إلى إبداع قطر في استضافة بطولة «كأس العالم FIFA قطر 2022»، ثم إلى النجاح الهائل الذي لمسناه في استضافة هذا الحدث الأبرز عالمياً، والذي وصفه السيد جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، بأنه البطولة التي وحدت العالم، والنسخة الأفضل على الإطلاق.

مما قاله قبل يومين فحسب، إن المونديال شهد نجاحا على كل الأصعدة، ولم يشهد أية حالات شغب، حيث حققت البطولة نجاحا جماهيريا كبيرا، بحضور «3» ملايين و«270» ألف شخص، المباريات في الملاعب، (دون احتساب مباراتي الأرجنتين وفرنسا والمغرب وكرواتيا، كما أن خمسة مليارات شخص في العالم شاهدوا بطولة «كأس العالم FIFA قطر 2022»، التي وصلت إيراداتها إلى «7.5» مليار دولار، بزيادة قدرها مليار دولار عن النسخة السابقة من المونديال (روسيا 2018).

الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» أصدر تقريرا قبل ذلك بيوم، اعتبر فيه أن «كأس العالم FIFA قطر 2022»، تعد بمثابة تغيير كامل للقواعد فيما يتعلق بتنظيم بطولة مستدامة، وتحقيق إرث دائم على طريقة تخطيط وتنظيم أحداث مشابهة مستقبلا، وأوضح في تقريره أن النسخ المقبلة من كأس العالم ستستمر باستخدام هذا البرنامج المستدام كخارطة طريق لضمان أقصى كفاءة عملية.

أما المدير العام لمشروع «ستاديا» بالمنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول» فقد أكد أن دولة قطر نجحت في تنظيم نسخة من بطولة كأس العالم، هي الأكثر أمانا، في تاريخ المونديال.

قبل المضي، أود التوقف مليا أمام أداء المنتخب المغربي الشقيق، فهو اليوم أحد الأربعة الكبار في عالم كرة القدم، وما حققه يستحقه، بفضل أدائه البطولي وفنياته الرائعة، التي جعلت منه واحدا من أفضل المنتخبات على المستوى العالمي، وكان ذلك من ثمار استضافة قطر للمونديال وعلى أرض عربية، إذ حقق «أسود الأطلس» إنجازا تاريخيا بدعم جماهيري غير مسبوق بالتأهل إلى الدور نصف النهائي، ليصبح أول منتخب عربي وإفريقي يصل إلى هذه المرحلة من البطولة.

عندما أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أن بطولة «كأس العالم 2022» في دولة قطر هي بطولة لكل العرب وباسمهم، فقد ظهر ذلك في كل أركان ومرافق البطولة بمبارياتها ومدرجاتها وفعالياتها، فبرزت الثقافة العربية والإسلامية والعادات والتقاليد الجميلة والقيم الأصيلة، كما تشرفت مباريات المنتخبات العربية بحضور ودعم من سموه والتفاعل الكبيرالذي أبداه، حفظه الله، مشجعا ومؤازرا، لتنتهي هذه البطولة في أجمل حلة وأبهى صورة، كما وصفها صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، بأنها «يوم من أيام العرب، لأن هذا الإنجاز هو للدول العربية»، كما أكدت قطر منذ أن تم الإعلان عن فوزها بشرف الاستضافة.

مرت الأيام سريعة، لكنها جميلة، بل كانت الأميز بالنسبة لعشاق اللعبة، وستبقى هذه البطولة علامة فارقة ومتميزة وباهرة في تاريخ بطولات كأس العالم، كما ستبقى بمثابة «خريطة طريق» لكل دولة أو مجموعة دول ستستضيفها لاحقا.

زوار قطر من مشجعي الفرق والمنتخبات المختلفة تمنوا لو أنها لا تنتهي، لكن اليوم هو الأخير، يوم التتويج، وأحسب أن قطر تتألق بتاجين اثنين: تاج اليوم الوطني العزيز على قلوبنا، وتاج كأس العالم، تقديرا لجهود كبيرة أدت إلى نجاح البطولة على النحو الدي رأيناه، والذي حظي بإشادة العالم بأسره، وعندما بدأت مقالي بأن بين الحدثين علاقة وثيقة تستحق التأمل، فلأن ما حققته قطر خلال السنوات الماضية، والذي جرت العادة على تقديمه في ذكرى اليوم الوطني، كان وراء النجاح الباهر الذي شهدناه لهذه البطولة، فقد نجحت قطر في الوصول إلى أرفع المراتب في مؤشرات التعليم والصحة والأمن والأمان والسلام، ولولا هذه النجاحات ما كانت استطاعت أن تحقق النجاح الذي نحتفي به اليوم في ختام كأس العالم.

إذا هي عملية متصلة ومتواصلة، لا يمكن لأي دولة أن تنجح في استضافة بطولة عالمية بمستوى هذه البطولة، إن لم تكن ناجحة في مجالات أخرى، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، وقبل كل هذا إن لم تكن ناجحة في الحفاظ على قيمها وتراثها وأصالتها، وقد رأينا بلادنا ولله الحمد تتألق في كل هذه المجالات، وهي تقدم للعالم منجزاتها الهائلة التي ستصبح نبراسا يهتدي به الآخرون.

نودع البطولة اليوم، في ذروة احتفالية قلما يرى العالم مثيلا لها، فهي المناسبة السنوية التي نجدد فيها العزائم لمواصلة المزيد من المنجزات من أجل حياة أفضل للوطن وأبنائه.

احتفالنا باليوم الوطني هذا العام له مذاق آخر، وفي جعبة وزاراتنا ومؤسساتنا وشركاتنا، الكثير من المنجزات الاستثنائية التي تحققت سريعا وبطريقة مذهلة، بعد أن عجلت بها هذه البطولة وزادت من سرعة إنجازها، وجميع هذه المنجزات تحمل قيمة استراتيجية مضاعفة للدولة وشعبها، خاصة وأن قطر اعتمدت على مصادر الطاقة المتجددة في مشاريعها التنموية التي حظيت بإشادة دولية واسعة، كالملاعب الرياضية المتقدمة التي تتفوق على نظيراتها في كافة أنحاء العالم، ووسائل النقل الذكية، والبني التحتية المتطورة.

شعار اليوم الوطني هذا العام «وحدتنا مصدر قوتنا»، والذي تم اقتباسه من خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في افتتاح دور الانعقاد الأول لمجلس الشورى، يحمل قيمة معنوية كبيرة، وهو لم يكن عنوانا عابرا من أجل الاحتفال باليوم الوطني بقدر ما جاء ليعكس تضافر جهود الجميع بلا استثناء، في النجاحات التي حققتها وكان آخر مثال لها هو استضافة «كأس العالم FIFA قطر 2022»، كما أن هذا الشعار يؤكد على أهمية الانتماء لهذا الوطن، وهو الانتماء الذي يسمو بروح الأوفياء، ويعكس القيم المتأصلة في نهج المؤسس، وفي منهج قيادتنا الرشيدة التي لطالما كان مبدأ التعاضد والتكاتف والتلاحم على رأس أولوياتها، فنجحت ونجحنا معها في الوصول إلى ما نحن عليه اليوم من رفعة وسؤدد وتقدم.

مساء اليوم، سوف يُسدل الستار على بطولة «كأس العالم FIFA قطر 2022» الأنجح على الإطلاق في تاريخ كرة القدم، وهو ما قاد إلى منجزات هائلة تحققت في ميادين أخرى هامة، ستبقى إرثا للأجيال القادمة، من بنى تحتية هائلة، تمثلت في شبكة من الطرق فاق طولها الإجمالي «12,000» كم، بالإضافة إلى الجسور والأنفاق، وممرات وجسور المشاة، فضلا عن مسارات المشاة والدراجات الهوائية لتعزيز النمط الصحي لدى كل الزوار والمقيمين على أرض الدولة، مع أسطول من حافلات النقل العام يبلغ نحو «4000» حافلة، منها «3000» حافلة لخدمة المونديال، ناهيك عن ميناء حمد الاستراتيجي ومطار حمد الدولي، ومترو الدوحة وترام لوسيل، إلى نظام صحي يتمحور حول حصول جميع أفراد المجتمع على رعاية صحية فائقة الجودة من خلال مستشفيات ومراكز صحية مزودة بأحدث التقنيات الطبية الحديثة، دون أن ننسى أنظمتنا التعليمية الأكثر تطورا، ومنظومتنا التشريعية والقانونية الرامية إلى ترسيخ مبادئ العدالة الناجزة، من أجل إعلاء قيم المواطنة، وسيادة وحكم القانون.

لا يمكن الحديث عن كل المنجزات في مقال، ولا في كتاب، فنحن أمام شيء صعب التطبيق، بل هو أشبه بالمستحيل، ولكنه بلد لا يعرف إلا التحديات ويعشق المواجهات وينتهي إلى أكبر الانتصارات، وسوف تبقى هذه الجهود الكبيرة التي تحولت إلى واقع، منارة من منارات الإبداع الإنساني على مر التاريخ.

محمد حمد المري - رئيس التحرير المسؤول

copy short url   نسخ
18/12/2022
120