+ A
A -
زكريا المحرمي كاتب عماني

في العشرين من نوفمبر هذا العام 2022 شهد العالم افتتاح النسخة الثانية والعشرين لمونديال كأس العالم في الدوحة عاصمة قطر، التي استطاعت في فترة زمنية لا تكاد تذكر إنشاء مدن رياضية عملاقة وتأسيس بنية تحتية متكاملة شملت توسعة المطارات والموانئ وشبكة القطارات والجسور، بالإضافة إلى توسيع الشوارع وتطوير الأحياء السكنية وبناء مناطق تجارية ذات طراز عالمي، وقد شهد جميع زوار المونديال المتقاطرين على الدوحة من جهات العالم الأربع على هذه المعجزة الرياضية والمدنية والتنظيمية، بيد أن أهم معجزة تحققت لقطر من تجربة المونديال الفريدة هي بناء الإنسان القطري.

لا شك أن الإبداع في كثير من جوانبه يولد من رحم المعاناة، ولا ريب أن التحدي يصقل المعادن الثمينة وينقيها، ولا يختلف إثنان في أن التحدي الهائل الذي واجهته قطر حين تقدمت بمشروعها لاستضافة كأس العالم كان أشبه بالمغامرات الخيالية التي يخوضها الإنسان في الأحلام ويعجز عن تحقيقها في الواقع، ولكن إرادة القيادة القطرية الإستثنائية والتي تتميز بما يعرف في علم النفس بالدوافع الثلاث للنجاح، وهي: دافع الإنجاز الذي يركز على الرغبة في التميز، ودافع الانتماء الذي يرسخ العلاقة الحميمة مع الشعب؛ ودافع الثقة والاقتدار الذي يبث في نفوس أبناء الشعب الاعتداد بالذات والقدرة على النجاح.

لا شك أن تلك الإرادة العظيمة لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة وأمير البلاد صاحب السمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، قد أدت إلى تحقيق ذلك الحلم الأسطوري الذي اعتبره أغلب أهل الأرض أمرا مستحيلا وضربا من ضروب الخيال، إلا إن حكمة القيادة القطرية ومثابرتها وضخها روح الإرادة الصلبة في نفوس القطريين، حولت ذلك الحلم إلى واقع يستمتع بفيئه جميع محبي كرة القدم في العالم وهم أغلب سكان الكرة الأرضية الذين وصل عددهم قبل خمسة أيام من انطلاق البطولة إلى ثمانية مليار نسمة.

سيتحدث البعض عن الكلفة الباهظة لهذه الفاعلية، وسيجيب كثيرون بأن تلك المصاريف إنما وجهت لاستكمال البنية التحتية لدولة قطر من مشاريع نقل ومواصلات وصحة وتعليم وإعلام، لكن كلا الفريقين نسي أمرا مهما، وهو أن تلك الأموال إنما توجهت في الأساس نحو بناء الإنسان القطري، فجميع المشاريع التي إقامتها قطر في العشرين سنة ماضية بداية بالتخطيط، مرورا بالتأسيس والبناء والتنفيذ وانتهاء بإقامة الفعالية العالمية واستضافة كافة شعوب الأرض على أرض الدوحة التي تحولت إلى ما يشبه سفينة نوح العامرة بجميع أنواع البشر، كل تلك السلسة الطويلة من الحلقات والدوائر والعمليات، إنما قام بها الإنسان القطري مخططا ومنفذا ومشرفا وموجها ومديرا ومنظما.

فإن أضفنا إلى كل ذلك التداخل الثقافي والعلمي والمعرفي بين القطريين وبين جميع من ساهم في تحقيق هذا الحلم من خبراء، ومبتكرين ومهندسين وفنيين وعمال ورجال أعمال وصحفيين ورياضيين وفنانين وغيرهم من المبدعين والمبتكرين الذين جاؤوا من أصقاع الكون للمساهمة بأفكارهم وتجاربهم وخبراتهم وجهدهم الذهني والبدني، لتحقيق هذا الإنجاز لأمكننا تصور الحجم الهائل من المعرفة والعلوم والتجربة والخبرة التي اكتسبها الإنسان القطري في العقديين الماضين، وسيتسلح بها فيما سيأتي من أزمان مديدة وستتناقلها الأجيال جيلا بعد آخر.

لا شك ان قطر ستحظى بفوائد عديدة وعظيمة من تنظيم أكبر تظاهرة كروية عالمية في الشرق الاوسط وفي منطقتنا العربية بالذات، وهناك من يتحدث عن عائد اقتصادي مباشر يتجاوز العشرين مليار دولار، لكن الفوائد العظمى التي ستجنيها قطر بالإضافة إلى العوائد المالية والمنجز المدني الحضاري واستكمال البنية الأساسية، إنما يتمثل في اكتشاف العالم للظاهرة القطرية الإستثنائية وتعرفهم على الثقافة القطرية وإطلاعهم على الأعراف والعادات والتقاليد العربية الأصيلة، والأهم هو بناء الإنسان القطري الذي عرّكته هذه التجربة وجعلت منه شخصية قوية محنكة في مواجهة التحديات الكبرى والصعاب.

لو لم يكن لإقامة مونديال كأس العالم في دوحة العرب والمسلمين من نتائج سوى بناء الإنسان القطري وصقله ورفع مستوى تأهليه لكفى به من أثر يستحق جميع أموال العالم، فالنجاح لا يقاس بتكديس الثروات، لأن مثل هذا التصور للنجاح يتسم بالأنانية المفرطة والفردانية العمياء والتمركز النرجسي حول الذات الأمر الذي يؤدي إلى تفكك المجتمعات وإنهيار الدول.

إن النجاح الحقيقي ينبغي أن يقوم على قواعد الاستدامة البشرية والاجتماعية والبيئية ومن ثم المالية كأركان أساسية لنهج شامل قادر على خلق الظروف المواتية لديناميكيات العطاء والارتقاء الممتدة إلى الأبد.

ستنقضي أيام كأس العالم عما قريب، وستتلاشى سكرة الإبهار والمتعة ولن يبقى في أذهان شعوب العالم سوى ذكريات من اللحظات الجميلة التي قضوها في حضور مباريات المونديال في الملاعب القطرية الحديثة المبهرة أو مشاهدته عبر القنوات الرياضية ووسائل التواصل المختلفة، إلا الشعب القطري الذي ستظل تجربة كأس العالم حاضرة في تفكيره دائما وأبدا، وستتحول تلك التجربة إلى خبرة تجعل من الإنسان القطري مرجعا عمليا لتجاوز المستحيل لا على مستوى الأمة العربية والإسلامية فحسب بل وعلى مستوى العالم أجمع[email protected]

copy short url   نسخ
24/11/2022
15