+ A
A -
د. هشام عكوباش - جامعة قطر

مع بداية مونديال قطر 2022 لا تزال بعض الدول الغربية تشن حملاتها الدعائية، وعدائية ضد دولة قطر وإرثها الثقافي؛ مستخدمة في هذه الحملات الكثير من التضليل في نقل الحقيقة عن هذا الحدث العالمي وما ارتبط به من عمل وتحضيرات على مدى عقد من الزمن ونيف، تحت عناوين وتعليقات تؤكد النظرة الاستعلائية للغرب اتجاه الآخر المختلف عنها في حمولاته الثقافية، ولعل الثقافة العربية الإسلامية نالت منها الكثير؛ وهذا ما أثبتته متابعات أكاديمية عديدة في نمط تعامل الغرب مع القضايا العربية والإسلامية.

وانضمت إلى هذه الأصوات العلمية المتزنة دراسة أخيرة أنجزها فريق بحث متكون من الدكتور محمد الفاتح حمدي والدكتور هشام عكوباش من جامعة قطر، والدكتور فيصل إيزدارن من إحدى الجامعات الباريسية في فرنسا حول تناول الإعلام الفرنسي للحدث الكروي العالمي قطر 2022، والدوافع التي أنتجت خطاباته. قُدمت أمام المنتدى السنوي الخامس لبحوث الأساتذة مونديال قطر 2022: التحديات والفرص والاستثمار الأمثل من تنظيم قسم العلوم الاجتماعية بجامعة قطر.

وقد سعى الفريق البحثي إلى رصد الخطابات المرتبطة بكأس العالم قطر 2022 في بعض الصحف الفرنسية فجاءت النتائج دون مفاجئة؛ حيث حاول الإعلام الفرنسي التركيز على بعض القضايا وإبرازها من خلال عناوين مثيرة، وتعليقات ذات حمولات عاطفية لأجل تضليل الرأي العام الفرنسي، وتوجيهه قصد إنتاج صورة غير حقيقية عن قطر، وعن التظاهرة الرياضة التي نالت شرف تنظيمها، وتعمدت تغييب الإنجازات التي تحققت خلال سنوات التحظير لهذا المحفل الكروي العالمي من بنى تحية ومنشآت قاعدية، وتحف فنية معمارية مستوحاة من ثقافة البلد الأصيلة، عنوانها التميز في أدق تفاصيلها.

وضعت صحف فرنسية عريقة مثل: لوفيغارو Le Figaro، ولوموند Le Monde سمعتها على المحك في تعاطيها لمونديال قطر 2022 حيث ذهبت هذه الصحف إلى مهاجمة دولة قطر، والجهود التي بذلتها من أجل إنجاح كأس العالم 2022 ؛ ورغم أنّ قطر وفت بكل التزاماتها، وكانت على الوعد اتجاه المواثيق الدولية والشروط التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم لأجل احتضان كأس العالم لكرة القدم، إلا أنّ هذه الصحف عمدت إلى التزييف في القضايا مثل البيئة، وراحت تزعم بأنّ البلد المستضيف لهذه التظاهرة الرياضية مصنف ضمن الدول الأعلى تلويثا للبيئة، وأنه تجاوز معدلات الرصانة الطاقوية، إلا أنّ الأرقام الأوروبية تثبت العكس حيث تغيب قطر عن قائمة الدول التي جاءت في المراتب الأولى والتي سجلت معدلات عالية في النشاطات التي لها انعكاسات سلبية على البيئة.

وهو ذات الشأن بالنسبة للتقارير الإخبارية المغلوطة حول وضع العمالة في دولة قطر متجاهلة التقدم الكبير الذي أحرزته في هذا المجال، باعتراف الهيئات الدولية الخاصة بوضع العمالة في العالم؛ في الوقت الذي تتستر فيه ذات الصحف عن التقارير السلبية الخاصة بالاختلالات الموجودة على مستوى ملف العمالة في الدول الأوروبية وخروقات القانونية التي تطبعه، خاصة ما تعلق الأمر بعمل المهاجرين على الأراضي الفرنسية أو الدول الأوروبية عموما.

ما ميّز التناول الإعلامي للحدث الكروي العالمي على أرض قطر من قبل الإعلام الفرنسي ازدواجية المعايير في النظر لقيم المجتمعات ومبادئها، ففي الوقت الذي تدافع فيه فرنسا على القيم التي قامت عليها وهي: حرية، المساواة والأخوة حادت صحافتها عن هذا المسار باتهامها لقطر بعدم احترامها لحق الإنسان في العيش وفق قناعاته بكل حرية مستثمرة في قضية الشاذين جنسيا؛ حيث منعت قطر أي مظاهر أو رفع لشعارات تروج لهذه الفئة احتراما لقيم ومبادئ هذه الدولة والمستمدة من روح الدين الإسلامي، بالإضافة إلى العادات والتقاليد المتأصلة في هذا البلد. وفي هذا المقام نستحضر ما قاله الصحفي البريطاني بيرس مورغان عن هذه القضية بأنّ ربع الدول المشاركة في مونديال قطر تمنع قوانينها علاقات الشذوذ الجنسي، ويستطرد قائلا: «الجدل بشأن قطر مبني على تناقضات من النفاق الدولي المتأصل وازدواجية المعايير». وفي ذات المقام يقول أحد اللاعبين في المنتخب الفرنسي:«أنّنا سنلعب هذه الكأس في قطر وعلينا أن نحترم قيم وتقاليد هذا البلد»؛ لتبقى هذه الأصوات الإعلامية تحركها رحلة البحث عن مواضيع مثيرة ترفع بها سقف المقروئية مثلما دأبت عليه الصحافة الصفراء التي تدافع عن عقيدتها الوجودية وهي الحصول على أكبر عدد من المتابعين لتحقيق أعلى الأرقام من العائدات المالية مهما كانت الوسيلة.

مونديال قطر نقطة سوداء في الصحافة الفرنسية

إنّ التغطية الإعلامية التي انتهجتها هذه الصحف وأخرى حسب ما توصلت إليه الدراسة فيما تعلق بمونديال قطر يخضع للتغطية وفق الأطر التي تخدم رؤية ومنظور هذه المنابر الإعلامية؛ مما يجعلها تحيد عن المعايير المهنية التي تفترض التحلي بالموضوعية والصدق في نقل الأخبار إلى الجمهور، ولا شك فإن هذه الصحف تدرك جيدا أبعاد العمل الإعلامي وقواعده وتتغنى بشعارته؛ إلا أنّها تقفز على هذه المبادئ كلما تعلق الأمر بالدول العربية والإسلامية وخلفياتها ومبرراتها كثيرة في هذا الشأن.

إن من أبرز ما استوقفنا في رحلة البحث عن الحقيقة برصانة علمية متناهية، ونحن نعاين القضايا والخطابات وحملته من مفردات وعبارات دلالية في الصحف التي شملتها الدراسة؛ تلمسنا بما لا يدع مجالا للشك حملة دعائية عدائية ضد دولة قطر والمنافسة الكروية العالمية التي فازت بشرف تنظيمها وقودها النزعة المركزية (Egocentrism) للنخب الأوروبية التي جُبلت على النظر للآخر المختلف من علياء، وفي الوقت الذي تتغنى فيه بالحرية، والديمقراطية، واحترام الرأي الآخر تسعى دائما إلى فرض نمط تفكيرها ومنهاج حياتها على الشعوب الأخرى والثقافات الأخرى، وهو ديدنها مع الثقافة العربية الإسلامية، التي تمثلها قطر أحسن تمثيل، إلى غاية كتابة هذه السطور.

copy short url   نسخ
23/11/2022
305