+ A
A -
سامح راشد باحث مصري

مع تصاعد تأثير القوة الناعمة للدول في علاقاتها الخارجية وعلى مكانتها العالمية، أصبح للرياضة، وخصوصاً كرة القدم، نصيب وافر من الاهتمام والتوظيف. سواء في الدول التي تنجح، من خلال الرياضة، في تعظيم مكانتها، أو دول أخرى قد تعتبر ذلك النجاح خصماً من نفوذها ومكانتها هي. ولذا، ما تتعرّض له دولة قطر من حملات إعلامية وانتقادات مفتعلة مفهوم تماماً في سياق رغبة بعضهم التقليل من شأن الإنجاز القطري والنجاح المبهر الذي بات واقعاً بالفعل، مع بدء المنافسات. لم يعد التسابق نحو استضافة الفعاليات الكروية الكبرى مجرّد منافسة رياضية لتعظيم فرص الفوز أو لإمتاع الجماهير الوطنية، أو فقط عملية اقتصادية لتحقيق مكاسب مادّية من حقوق البث وعوائد دخول الملاعب. بل أصبحت الجوانب الناعمة شقّاً جوهرياً في حسابات الدول بشأن الأحداث الرياضية الكبرى، حيث تعد استضافتها بحد ذاتها نصراً وإنجازاً يحسبان للدولة المضيفة. أما نجاح التنظيم وإتمام الحدث بصورة لائقة، فيمثل نقلة نوعية في مكانة تلك الدولة والصورة الذهنية لها، ليس فقط لدى عشرات الآلاف من المشجّعين في الملاعب، فحين يتعلق الأمر بحدثٍ عالميٍّ فريد من نوعه، مثل كأس العالم، يمتد المردود إلى مليارات المشاهدين من مشجّعي الكرة في أنحاء العالم.

وكما أن للمردود المستهدف جوانب معنوية «ناعمة»، لا تقتصر على الوفرة المالية والقدرات التنظيمية وغيرها من المقوّمات المادية «الخشنة». يتطلب النجاح أيضاً امتلاك مقوّماتٍ من الشاكلة نفسها. أي خصائص «مجتمعية» وقدرات «إنسانية»، تستند إلى طبيعة تعايشية لثقافة البلد المضيف، ودرجة التحضّر والرقي في تعامل المجتمع مع الأجانب والوافدين. إضافة إلى حدود التسامح وتقبل الآخر، ليس فقط لدى المسؤولين والقائمين على التنظيم، وإنما أيضاً في العقل الجمعي لأفراد المجتمع. ففي النهاية، أي حدث أو فعالية كبيرة الحجم بوزن كأس العالم لكرة القدم يستقبل بلد الاستضافة خلاله ما يزيد عن مليوني مشجّع زائر، لا يمكن أن يتحقّق له النجاحان، المعنوي والأدبي، إلا بشعور تلك الأعداد الضخمة بالارتياح والمودّة والألفة والترحاب في كل خطوة لهم داخل هذا البلد. وهو ما يبدو واضحاً من ترحيب أهل قطر وسعادتهم وفخرهم بأولئك الزائرين بلدهم، وانعكاس تلك الروح الإنسانية الإيجابية على وجوه كل من وصلوا بالفعل إلى أراضي قطر.

يبقى جانب شديد الأهمية يتعلق بالهدف من استضافة كأس العالم. فقبل تعظيم مكانة الدولة وإبراز ثقافتها وحضورها إقليمياً وعالمياً، تحرص معظم الدول التي تستضيف كأس العالم على تأمين مكاسب مالية من وراء هذا الأمر. ولأن المكاسب في تلك الأحداث الكبرى تقدّر بمليارات الدولارات، فإن الحرص عليها هدف مشروع لأي دولة. أما في حالة قطر، شعباً وحكومة، فلم يكن هذا ضمن قائمة الأهداف المرجوّة من استضافة كأس العالم لكرة القدم. وإذا كان قد تردّد أن تكلفة تنظيم كأس العالم في قطر بلغت مائتي مليار دولار، فهذه لا تتعلق بالبنيات الرياضية والتجهيزات، وإنما أيضا بمرافق عامة كبرى في الدولة. وهي تكلفة تتجاوز مجموع ما جرى إنفاقه على الدورات السابقة لكأس العالم مجتمعة. وثمّة مفاجأة حقيقية تكشف أن الرؤية القطرية لهذا الإنجاز أبعد وأعمق كثيراً من أي أرقام وحسابات مالية. وهي أن استادات ومنشآت أقيمت خصيصاً لكأس العالم سيجري بعد انتهاء المنافسات تفكيكها وإهداؤها إلى دول فقيرة لا تملك إقامة منشآت مشابهة. والمعنى أن العائد المالي وتحقيق مكاسب اقتصادية ليس من أولويات قطر، بل هو خارج حساباتها في تنظيم كأس العالم. فالمردود الناعم على مكانة قطر وصورتها أمام شعوب العالم بل والانطباع العالمي عن الدول العربية ككل تتضاءل أمامه أية مكاسب أو أهداف أخرى.العربي الجديد

copy short url   نسخ
22/11/2022
0