+ A
A -
قيل... وقيل هذه مفردة عربيّة جميلة نقولها عندما نريد أن نلطش مقولة لا نعرف قائلها! المهم أنّه قيل: حتى الكلاب المقيّدة تقول عن الكلاب الحُرّة: ضالة!
واستطراداً... وإنّي أجدُ متعةً إذ أستطردُ! فدعكم الآن من الكلاب المقيدة والضّالة، فلن يهرب من حبل الكلام لا كلبٌ مربوط ولا كلب طليق! المهمُ أني كنتُ جالساً بأمان الله، فجاءني شيطان الكلام ووسوس لي بفكرة راقتْ لي كثيراً، والعربُ بالمناسبة كانت تؤمنُ أنّ لكل شاعرٍ شيطان يوحي إليه! وهذا الاعتقاد مردّه عجزهم عن تفسير ظاهرة الشّعر، ولقد كان دأبُ النّاس دوماً إذا أعياهم شرح ظاهرة اخترعوا لها أسطورة، المهم أنه قال لي: يا ولد، لماذا لا تأتي بقول قد سبق وقرأته وأعجبك، فتُعمل قلمكَ فيه بحثاً وتحليلاً وتعليقاً؟! فعقدتُ مع نفسي اجتماعاً عاجلاً، ووافقتُ على هذا الاقتراح بالإجماع! وهذا أوّل الغيث!
وبالعودة إلى القول: حتى الكلاب المقيّدة تقول عن الكلاب الحُرّة: ضالة!
فإنّه من نافلة القول أن أقول إن الكلام بمعناه لا بألفاظه! لهذا فإنّ أمتع ما في اللغة هي الكِنايات! أضِف أن الأدباء لطالما وجدوا في قول أفكارهم على ألسنة الحيوانات منجاة من الاعتقال! وما ابن المقفّع في كليلة ودمنة منّا ببعيد! والنّاسُ في هذا - شرقهم وغربهم - سواء، واقرأوا إن شئتم «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل!
المقولة إذاً داخلة في الكِناية، والمُراد معناها البعيد لا ألفاظها القريبة، وقد أحسن قائلها فيها وأجاد! فالنّاسُ في هذه الحياة لا يُحبّون أولئك الذين يُذكّرونهم بنقصهم! الذين ارتضوا العبودية في القرن الواحد والعشرين - والعبودية ليستْ دوماً رِقاً ظاهراً وأغلالاً من حديد - يزعجهم أن يروا حُراً، لا يريدون لأحدٍ أن يُنغّص عليهم عبوديتهم! الأحرار يُذكّرونهم بنقصهم، وهذا في كلّ مجالات الحياة! فالموظّفُ الذي يرتشي يكره الموظف الذي لا يرتشي، لا
لشخصه، وإنما لأنه يخبره دون كلام أن الحياة يُمكن أن تُعاش بالحلال! وإنكَ قلما تجد في الحياة مُتعثّراً نبيلاً، يُحبُّ لكَ أن لا تقعَ فيما وقع هو فيه! وودّ السّارقُ لو كل الرّجال سرقوا وودت الزّانية لو كلّ النّساء زنينَ!
لا تستغربوا عندما تتكلمون عن الحُرّية وتُنادون بها أن يقفَ العبيد في وجوهكم قبل الجلاد! إنّ العبودية لتتملّك الإنسان حتى تصير له ديناً! وقصص التّاريخ تشهد، وهذا الواقع من حولنا يشهدُ كذلك، إنّ دفاع العبيد عن جلّاديهم أشرس من دفاع الأحرار عن حُرّيتهم!

بقلم : أدهم شرقاوي
copy short url   نسخ
01/10/2016
1947