+ A
A -
أذاع التليفزيون العربي أمس فيلما تسجيليا مصورا قدم من خلاله رواية متكاملة ونادرة لقصة غزو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود وجيشه من جماعة «إخوان من طاع الله» للحجاز، ما أسفر عن سقوط حكم الهاشميين التاريخي للحجاز وتنازل الشريف الحسين بن علي عن الحكم، قبل مغادرته مكة المكرمة.
وأكد الفيلم أن الدولة الوليدة أقيمت على أنقاض مملكة الحجاز الهاشمية والتي كان يحكمها الشريف الحسين بن علي، وكان مقر الحكم من مكة المكرمة، وكان من نسل سيدنا علي بن أبي طالب.
كما كشف عن مدى تشدد جماعة «إخوان من طاع الله» وكيف كانوا يقومون بالسلب والنهب في بداية تكوينهم وكان يقودهم عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن سعود.
وتجول الفيلم بين وثائق تاريخية نادرة تكشف الدور البريطاني في دعم بن سعود على حساب الشريف الحسين بن علي، بعد رفض الأخير القبول بمطالب بريطانية عديدة تتعلق بحدود ما بعد اتفاق «سايكس بيكو»، إلى جانب رفضه وعد بلفور لليهود بوطن في فلسطين.
وكشف الفيلم عن الاتفاقيات التي تمت بين عبدالعزيز بن سعود وبريطانيا والتي بدأت بالاعتراف باستقلال نجد ومد جيش عبدالعزيز بن سعود بالأموال والأسلحة شرط أن يحارب حلفاء العثمانيين في الجزيرة العربية.
«ثورة العرب وتكوين المملكة الهاشمية»
في عام 1916 بدأت ثورة العرب في مكة ضد الحكم العثماني وسرعان ما استقلت الحجاز لتصبح مملكة الحجاز الهاشمية وهي أول دولة عربية مستقلة، ومن ثم نصب الشريف الحسين بن علي ملكا على مملكة الحجاز، ولم يدم الحكم العربي أكثر من 9 سنوات بعد الصراع بين السعوديين والهاشميين.
وكشف الفيلم التسجيلي أسرار اللقاءات بين البريطانيين وعبدالعزيز آل سعود بعد تأكدهم من قوة الجيش الموالي له وأنه جيش عقائدي يستطيع هزيمة أي جيش في المنطقة، وتم تعيين ضابط مخابرات بريطاني ليكون بمثابة المستشار لابن سعود.
وجاء رفض الشريف الحسين لاتفاقية سايكس بيكو والتي تمت بين بريطانيا وفرنسا وتقسيم شبه الجزيرة العربية ورفض مصير خضوع سوريا لفرنسا والذي ينهي حلم تكوين دولة عربية كبرى ليكون بمثابة بداية انقلاب البريطانيين على الشريف وتوقفهم عن دعم الجيش الشريفي، والضغط عليه للقبول بنتيجة الاتفاقية ولكنه رفض فوجدوا أن الحل هو التخلص منه ودعم عبدالعزيز بن سعود.
قتال الخرمة
ورصد الوثائقي نقطة التحول في حكم الحجاز من الشريف الحسين بن علي الهاشمي، بعد أن أصبح حجر عثرة بالنسبة للإنجليز، وقرارهم للتخلص منه، ودعم عبد العزيز آل سعود وإعطائه الضوء الأخضر لاحتلال الحجاز، الذي بدأ طوفانه من «واحات الخرمة» شرق الطائف، وكان الشريف خالد بن لؤي يتزعمها حينذاك، أحد قادة الثورة العربية مع الشريف حسين وأبنائه، لكنه في تلك الفترة فتح بابا للإخوان على الحجاز إذ تغير ولاؤه إلى نجد، وبعد خيانته أراد الشريف حسين أن يرسل الجيش الشريفي لاستعادتها، وكلف الشريف عبدالله بن حسين لقيادة الجيش، وفي المقابل كان جيش بن سعود يقوده المتشدد سلطان ابن بجاد، أحد الرموز المتعصبة في نجد، وكان مقرباً من الإمام بن سعود.
وفي اقتباسات من مذكرات الملك عبدالله بن حسين قال: «أمرت أن أعود إلى الطائف، بقصد تأديب الشريف خالد بن لؤي، لقد خاننا وقتل عددا من الأشراف، أصبح حاقداً على دولة الحجاز، ثم وجد في نجد ناصراً له ومعينا».
وورد في الفيلم الوثائقي أنه وفي 15 مايو 1919 م، اندلعت معركة تربة، قرب حدود الخرمة، حيث هزم الجيش الهاشمي شر هزيمة، وقد قتل المئات من قوات الشريف النظامية، وتفاجأوا بقدرة جيش بن سعود على التقدم والمباغتة، وانتشر صدى انتشارهم في الجزيرة العربية، الأمر الذي أحدث رعباً في كل أنحاء الحجاز..
ويقول الدكتور علي محافظة: «إن جيش بن سعود جيش مقاتل ديني وله حماس ديني ينشر الإسلام ويعتبر أهل الحجاز كفرة ويسبي نساءهم ويستولي على ممتلكاتهم، ويعتقد بأنه مجاهد إلى ما ينتقل إلى الجنة».
وبات واضحاً للشريف حسين أن بريطانيا قد تركته وحيداً في معركته مع بن سعود، وأنها لم تحرك ساكناً، وتقرب النهاية، كما أن الإخوان أصروا أن يدخلوا مكة مسلحين.. الأمر الذي يهدد سلطة الأشراف وأمن الحجاج، ثم توقفت الحرب عند هذه النقطة.
الفرصة الأخيرة
في منتصف عام 1921م، وكفرصة أخيرة، وصل إلى مكة الضابط الإنجليزي توماس إدوارد لورانس.. «لورانس العرب»، الذي حمل معه رسالة أخيرة لشريف مكة، وعرض فيها إبرام معاهدة «أنجلوهاشمية»، شرط أن يوافق على نتائج الحرب ووعد بلفور، مقابل أن تضمن بريطانيا أمن وسلامة مملكة الحجاز، من هجوم عبد العزيز بن سعود، لكن الشريف رفض العرض، ولم يقبل بوعد بلفور..
5 سنوات من الخوف والترقب.. الجيش يعسكر على حدود الحجاز، والجيش الشريفي لا حول له ولا قوة، وكل الإشارات التي كانت تأتي من بريطانيا تشير إلى أنه تم تسليم الحجاز، إلى عبد العزيز بن سعود.
خليفة المسلمين
وذكر الوثائقي أنه في 1924م، اندفع الشريف الحسين بن علي متشبثاً برداء النبوة ليعلن نفسه خليفة للمسلمين، فتلقى بيعة واسعة في الحجاز والشام، الأمر الذي زاد من غضب بن سعود، فكان إعلان الخلافة القشة التي قصمت ظهر البعير، فقرر بن سعود غزو الحجاز فوراً.
وفي أغسطس 1924، انطلق جيش بن سعود في هجوم مباغت صوب الأراضي الحجازية، وتوجهوا إلى قرية أم العمد، فقتلوا سكانها، وكان الهجوم الكبير في الطائف عاصمة الحجاز الصيفية، في 3 سبتمبر 1924م، وتحرك جيش بن سعود صوب الطائف بقيادة المتعصب سلطان ابن بجاد، ولم تتمكن الطائف من الصمود إطلاقاً، وقتل المئات من الناس، حتى أن صحفا بريطانية تحدثت عن قطع لحناجر أطفال ونساء، وقتل العشرات داخل المسجد..
ويقول سلطان العبدلي، مؤرخ خليجي، إن هجوم جيش عبد العزيز أو ما سمي بـ«جيش من طاع الله (أطاع) والمقصود به عبدالعزيز بن سعود، كان يرتكز على ركيزتين، الأولى أنه كان يغلف بغلاف الدين، أي أن هؤلاء القوم مشركون ويقطعون أهل نجد عن الحج، والأمر الثاني كان بقوة البطش والقتل الذريع في أهل الحجاز، فكانت مجزرة في الطائف.
الفرار
ويرصد الفيلم تأثير أحداث الطائف، حيث ولدت أحداث الطائف هلعا كبيرا في مكة المكرمة، وخرج الناس في فرار جماعي صوب جدة، خوفاً من الجيش ، الذي يجتاح كل شيء، لكن الشريف حسين بقي في مكة مع عدد قليل من رجاله، ثم أبرق للوكيل الهاشمي في القاهرة قائلاً له «لقد هزمنا يا عبدالملك، تراجع جيشنا، لكني سأتولى شخصياً مسؤولية الدفاع عن مكة المكرمة، إنني ألقي المسؤولية أمام العالم الإسلامي، وامتنع البريطانيون عن الإدانة وقالوا إن المسألة أصبحت داخلية».
رفض التوقيع
ويبين الوثائقي أسباب الغضب البريطاني من الشريف، حيث كان سبب قرار بريطانيا إبعاد الشريف حسين هو رفضه التوقيع على معاهدة معهم، وكان أحد بنود المعاهدة إخضاع الشريف إلى ماهو حال فلسطين الآن، وبالأخص حقيقة وجود وطن لليهود، وبالطبع كان أمرا رفض الحسين القيام به، لأنه لم يقبل أبداً وجود اليهود في فلسطين، لقد طلب منه التوقيع على المعاهدة 3 مرات متتالية، في الوقت الذي يتزايد فيه تهديد السعوديين للشريف، وعندما غزا بن سعود الحجاز دعمته بريطانيا.
عزل الشريف
وكان شرط عبدالعزيز بن سعود عزل الشريف، وكان قد وصل سن الـ70 وطرد أبنائه من الحجاز، ووجد أهالي الحجاز مناشدة الشريف حسين التنازل عن العرش لابنه علي بن الحسين، ووافق الشريف حسين على التنازل وقبل عرض أهل الحجاز، وغادر أرض الحرمين إلى العقبة.
سقوط مكة
وقد دخل عبدالعزيز بن سعود مكة وضمها إلى نجد، وحطم رجاله أضرحة الصحابة ورأوا فيها شركاً يخرج الناس من ملتهم، وساد الخوف كل أركان الحجاز بعد سقوط مكة.
حصار المدينة
وبقيادة فيصل الدويش، حوصرت المدينة المنورة بشدة وهدد أهلها، فاقتربت مملكة الحجاز من السقوط بعد حصار أهلها، وتدخل المعتمد البريطاني في ديسمبر 1926، بوثيقة بريطانية لتأمين الهاشميين، وسقطت الحجاز.
copy short url   نسخ
05/05/2020
4862