+ A
A -
خميس عبد اللطيف المسلماني مستشار قانوني

لا تخلو متطلبات الحياة سواء كنا أفرادا أو مؤسسات خاصة أو عامة من مواجهة أمور قد يصعب فيها اتخاذ القرار المناسب دون الاستعانة بذوي الخبرة واستشارتهم، وتعد الاستشارة القانونية واحدة من تلك الاستشارات السائدة والتي يتم التعامل معها في حياتنا المعاصرة، فالتهاون فيها وعدم تدارك الأمر بالصورة الصحيحة قد يقلب الموازين ويفضي إلى أمور قد لا تحمد عقباها، فنجد البعض يتصرف من تلقاء نفسه وبشكل انفرادي في أمور قانونية يجهلها دون الاستعانة بذوي الاختصاص لأسباب مختلفة، فمنهم من يتوهم بمعرفته وقدرته على احتواء ومعالجة المسألة القانونية بجهده الشخصي أو يستعين بأشخاص آخرين ليسوا مؤهلين بتقديم تكييف قانوني مناسب، والسبب الآخر الأكثر شيوعاً هو لتجنب تكاليف الاستشارة والتي في الغالب ما تكون ذات تكاليف عالية في بعض التخصصات نظراً لتعقدها. وكما هو معلوم فإن عدم الاهتمام والمبالاة باستشارة أهل الخبرة في المسائل القانونية سواء كانت متنازعا عليها أو متوقعا حدوثها دون الاستعانة بمختص لإبداء الرأي والمشورة ينتج عنها احتمالية التعرض لأضرار ومخاطر قانونية قد تكلف الوقت والمال لسنوات في المحاكم لإنهاء الخصومة.

الاختصاص القانوني كحال أي تخصص آخر في علوم الحياة، متنوع بفروعه المختلفة، فعلى سبيل المثال: من غير المتصور أن تطلب استشارة فنية في تصميم بناء منزل من قبل مهندس غير متخصص في مجاله الفني كالمهندس الزراعي أو الكيميائي، والحال نفسه ينطبق في الاختصاص القانوني بأنواعه المتعددة: المدني، الجنائي، التجاري، الأحوال الشخصية وغيرها من التخصصات. فهناك مكاتب قانونية ضليعة ومؤهلة في تقديم خدمات قانونية متخصصة في مجالات معينة في القانون ولها باع طويل في الممارسة القانونية بتخصصاتها المختلفة، فمن أولى الخطوات الهامة عند اتخاذ قرار الاستعانة بمكتب محاماة، هو البحث بحرص عن ذوي الخبرة والاختصاص للمسألة المراد الاستشارة بها، بحيث يتم اختيار مكتب متمكن ومعتمد يقدم لك القراءة الصحيحة والتكيف القانوني السليم ولديه دراية وفهم وممارسات عملية ناجحة.

هناك عوامل مساهمة تتسبب في الوقوع بالكثير من الإشكاليات القانونية في غياب الاستشارة القانونية من بينها استخدام نماذج لصياغات قانونية جاهزة والاعتماد عليها كنماذج للعقود والاتفاقيات والوكالات وغيرها والاكتفاء بها والتي غالباً لا تعكس ما تم الاتفاق عليه بشكل فعلي بين الأطراف، فتلك النماذج في الغالب لا تغطي جميع الحقوق والواجبات والالتزامات لكل طرف مما يؤثر بشكل سلبي في تنظيمها لعدم صياغتها على ما هو مطلوب ومتفق عليه. وكنتيجة طبيعية، فإن استخدام هذه النماذج الجاهزة يؤدي إلى سرعة حدوث إشكاليات ونزاعات كان بالإمكان تفاديها لو تمت بحرص وبالشكل المطلوب. والحال لا يختلف كثيراً عند الاستعانة والاسترشاد باستشارات قانونية سابقة وقديمة حتى وأن ارتبطت بمواقف وأحداث قانونية مشابهة أو متطابقة، أو الاستعانة بمعلومات قانونية من شبكة الإنترنت ومن مواقع غير معتمدة ومجهولة المصدر، وكذلك بشأن الأدوات التشريعية كالقوانين والمراسيم والقرارات وغيرها والتي تعتبر من أحد مرتكزات تنظيم المسائل القانونية والتي تتعدل وتتغير من حين لآخر، فإن كل هذه الأمور وإن كانت متاحة لك فإنها ليست كافية، ولا تغنيك عن الاستعانة بمختص قانوني وذلك لعدم وجود ضمانة ويقين تام بأن هذه الحالة تتناسب وتتواءم مع حالتك ويتطلب ذلك المراجعة والتدقيق، والتأكد من عدم وجود ثغرات قانونية قبل البدء بأي التزام.

ومن ضمن الأمور الهامة عند الاستعانة باستشارة قانونية أن تبرز المسألة المراد الاستشارة بها بشكل واضح وصادق وتبين جميع الأمور الخاصة بها، سواء كانت لصالحك أو ضدك دون إخفاء أي شيء للمحامي ولو كانت بعض المعلومات في نظرك لا قيمة لها، حتى تكون الاستشارة بتكيفها القانوني سليمة وواضحة، فالاستشارة في النهاية تضع بين يديك الخيارات أو الآثار القانونية بحيث تكون على دراية تامة بالالتزام القانوني، وقد تكون نتائج هذه الاستشارة سلبية أو إيجابية، فلا اشتراط بنتائج إيجابية مضمونة عند طلب الاستشارة، فهي كاستشارة الطبيب يكشف ويحلل ويبين لك حالتك سواء كنت سليما معافى أو تشكو من شيء. احرص قبل البدء بطلب الاستشارة أن تتأكد من عدم وجود تعارض للمصالح من قبل مكتب المحاماة عند قيامه بهذه الاستشارة والتي من المفترض أن يفصح عنها المحامي وفقاً لقانون المحاماة، وأن تحدد نطاق الاستشارة بحيث تغطي جميع النقاط المراد بحثها. كما أنه من المهم أن تكون الاستشارة مكتوبة ومعتمدة تحتوي على تحليل قانوني كاف ومفهوم يبرز فيها جلياً الأسانيد القانونية الداعمة لها، وكذلك أن يتم الاتفاق على تكاليف الاستشارة على أن تضع في اعتبارك إضافة أحقيتك في الاستفسارات اللاحقة للاستشارة لمزيد من التوضيح والتأكيد أن وجدت بدون تحميلك تكاليف إضافية.

وأخيراً، لا شك أن الاستشارة القانونية لها أهمية كبيرة في التأثيرالايجابي في اتخاذ القرار الصحيح وخاصة إذا كان لديك شكوك في أثار قانونية معينة، فهي تعد كصمام أمان وتمنحك الثقة والتأكد من الممارسة القانونية بعدم التعرض لمخاطر قانونية أو التقليل منها، فإهمالها قد يكلف الكثير، فمن الفطنة أن تلجأ إلى ذوي الاختصاص من الخبرات القانونية، فهي وقاية فلا يمكن أن تقارن تكاليفها المادية بمردود قيمتها الفعلية، وقد قال أحد الحكماء «الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه».

copy short url   نسخ
22/09/2022
35