+ A
A -

وسط تقلبات وتحديات سياسية واقتصادية وإنسانية يشهدها العالم منذ مطلع هذا العام.. انطلقت فعاليات الدورة الـ«77» للجمعية العامة للأمم المتحدة لتسليط الضوء على الأحداث الساخنة والأوضاع الملتهبة التي يشهدها العالم في عدد من مناطق الصراع، ومن أبرزها بطبيعة الحال الأزمة الروسية - الأوكرانية وما أسفرت عنه من حرب طاحنة، وأزمة اقتصادية كادت تعصف بالعالم، كأحد التوابع الأكثر خطورة لهذه الأزمة، بالإضافة إلى القضايا المرحّلة من أعوام وعقود مضت، كما هو الحال بالنسبة للقضية الفلسطينية التي تواجه أخطر محطاتها على الإطلاق بسبب التصعيد الإسرائيلي وسياسات الضم والقمع والتنكيل والقتل.

وسط هذه الأجواء المشحونة بدأت أعمال الدورة الجديدة للجمعية العامة، والأنظار تترقبها أكثر من أي وقت مضى، وجاءت كلمة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، لتؤكد على طبيعة المرحلة الاستثنائية التي يشهدها العالم، وقطر كما جرت العادة تقوم بما تمليه عليها مسؤولياتها، كعضو فاعل في الأمم المتحدة، وكلاعب محوري يتمتع بدور خاص في تقريب وجهات النظر المتباينة، ولعب دور الوساطة البناء الذي يساعد جميع الأطراف في الحوار والتوصل إلى حلول سلمية لخلافاتهم، وهو الدور الذي أصبح محل اهتمام عالمي بسبب النتائج الكبيرة التي استطاع أن يتوصل إليها.

وسواء بسبب أزمة الطاقة التي يشهدها العالم، أو الأزمات السياسية والاقتصادية الكبرى، فإن كلمة صاحب السمو كانت محل اهتمام واسع، نظرا للدور الذي تضطلع به قطر في الأحداث الجارية حول العالم، حيث تسعى دولة قطر بشكل دؤوب لتقريب وجهات النظر المتباينة، لمساعدة الجميع على العبور من المناطق الساخنة عبر ممرات آمنة للوصول إلى بر السلام والأمان.

وقد أدت نجاحاتها في أفغانستان خاصة، وآخرها مساهمتها القيمة في تسهيل الإفراج عن مواطن أميركي تعرض للخطف في أفغانستان عام «2020»، إلى تعليق المزيد من الآمال على تحركاتها في عالم ينوء بالمشكلات الصعبة، من ارتفاع نسب التضخم وأسعار الطاقة والغذاء وبوادر المجاعة التي تلوح في الأفق في عدد من البلدان وتزايد الجفاف والفقر وتراكم الديون، إضافة إلى تعثر سلاسل الإمداد والتوريد وجميعها قضايا استثنائية تواجهها اجتماعات الجمعية العامة، وتحتاج إلى جهود مضنية بنفس المقدار لتجاوز آثارها الصعبة.

كلمة صاحب السمو عبرت بأمانة عن هواجس الأسرة الدولية، وهي قامت على ركيزتين أساسيتين هما المصارحة والمكاشفة، انطلاقا من مواقف مبدئية ثابتة لم تتبدل ولم تتغير، ولا تقبل المساومة على الإطلاق، فهي تستند إلى القيم الأخلاقية وقواعد الشرعية الدولية، هدفها إشاعة الأمن والسلام والاستقرار وتسوية النزاعات عبر الحوار، فكان أن حظيت باحترام العالم بأسره، وبالأمس وجه البيت الأبيض الشكر لدولة قطر على مساعدتها في الإفراج عن المواطن الأميركي في أفغانستان، وقال مسؤول بارز بالإدارة الأميركية، خلال مؤتمر صحفي نشره البيت الأبيض، «إننا ممتنون بشكل خاص لمساعدة دولة قطر في هذا الصدد، وبصراحة، في العديد من الأمور الأخرى».

مسؤوليات الأسرة الدولية

كلمة صاحب السمو تناولت ثمانية محاور رئيسية، عبرت عن همومنا جميعا، ليس في قطر أو المنطقة العربية فحسب، ولكن في العالم بأسره، حيث تشتد الحاجة أكثر من أي وقت مضى آخر، لحلول بحجم التحديات، وكان طبيعيا أن يكون المحور الأول مسؤولية المجتمع حيال ما يشهده العالم، حيث أوضح سموه أن السياسة الدولية ما زالت تدار بمنطق الدول المتفاوتة القدرات والمصالح والأولويات، وليس بمنطق العالم الواحد والإنسانية الواحدة، مع غياب آليات كافية للردع ومعاقبة المعتدين على سيادة الدول، وعجز المجتمع الدولي عن فرض التسويات حين يرفضها الطرف القوي في أي نزاع.

بهذه الصراحة بدأ صاحب السمو كلمته، ولم يكتف بتوصيف الوضع الراهن هذا، وإنما قدم ما يجب أن تكون عليه الأمور: «في هذه الظروف تبرز أهمية الحكمة والعقلانية في سلوك القادة والتمسك بمبادئ العدالة والإنصاف في العلاقات بين الدول».

الحرب في أوكرانيا

بعد ذلك تناول صاحب السمو المسألة الأكثر تعقيدا والأكثر تهديدا للأمن والسلم الدوليين وهي الحرب في أوكرانيا، داعيا إلى وقف إطلاق النار ومباشرة السعي إلى حل سلمي للنزاع، فهذا ما سوف ينتهي إليه الأمر، كما أوضح سموه، مهما استمرت الحرب. ودوامها لن يغير هذه النتيجة، بل سوف يزيد من عدد الضحايا، كما يضاعف آثارها الوخيمة على أوروبا وروسيا والاقتصاد العالمي عموماً.

قضايا الشرق الأوسط

لقد احتكرت «5» دول السيطرة على مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، منذ تأسيسه عام «1945»، وأعاقت عمله «265» مرة باستخدام حق النقض «الفيتو»، أبرزها تتعلق بالقضية الفلسطينية والملف السوري، وهاتان القضيتان حظيتا باهتمام خاص من خطاب صاحب السمو، الذي أوضح بجلاء أنه في ظل عدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية ومع التغير المتواصل للوقائع على الأرض أصبح الاحتلال الاستيطاني يتخذ سياسة فرض الأمر الواقع، مما قد يغير قواعد الصراع وكذلك شكل التضامن العالمي مستقبلاً، وبعد أن أكد سموه التضامن الكامل مع الشعب الفلسطيني الشقيق في تطلعه للعدالة، طالب مجلس الأمن بضرورة تحمل مسؤوليته بإلزام إسرائيل بإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية على حدود عام «1967» وعاصمتها القدس الشرقية.

كما تناول صاحب السمو عجز المجتمع الدولي عن محاسبة مجرمي الحرب في سوريا على ما ارتكبت أيديهم. داعيا الأمم المتحدة إلى عدم قبول أن يتلخص المسار السياسي في ما يسمى اللجنة الدستورية تحت رعايتها، مشيرا إلى أن القضية السورية تقدم درساً مهماً بشأن عواقب غياب الرؤية بعيدة المدى لدى قوى المجتمع الدولي الفاعلة حين يتعلق الأمر بمعالجة معاناة الشعوب من الطغيان اللامحدود والفقر المدقع والحروب الأهلية قبل أن تصبح ظواهر مرافقة لها مثل اللجوء هي المشكلة التي تحتاج إلى حل.

وبطبيعة الحال فإن قضايا ليبيا واليمن والعراق ولبنان والسودان كانت حاضرة هي الأخرى، وجاء موقف قطر منها ليؤكد على وحدتها وحفظ تنوعها في الوقت ذاته، وهذا الأمر ليس أمراً ممكناً فحسب، كما أوضح سموه، بل هو واقعي للغاية لو توفرت الإرادة والاستعداد لتقديم التنازلات للتوصل إلى تسويات والتخلي عن نهج المحاصصة الحزبية الطائفية التي ترفضها الأجيال الشابة.

البرنامج النووي الإيراني

أكد صاحب السمو إيمان قطر بضرورة التوصل إلى اتفاق عادل حول البرنامج النووي الإيراني يأخذ في الاعتبار مخاوف الأطراف كافة، ويضمن خلو المنطقة من السلاح النووي، على اعتبار أن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق سوف يكون في صالح أمن واستقرار المنطقة وسيفتح الباب لحوار أوسع على مستوى الأمن الإقليمي.

الوضع في أفغانستان

أشار صاحب السمو مرة أخرى إلى ضرورة حماية المدنيين في أفغانستان، واحترام حقوق الإنسان والمواطن، بما في ذلك حقوق المرأة، وحق الفتيات في التعليم، وتحقيق المصالحة الوطنية بين فئات الشعب الأفغاني، كما حذر من خطورة عزل أفغانستان وما يمكن أن يترتب على محاصرتها من نتائج عكسية.

أزمة الطاقة

يواجه العالم أزمة طاقة غير مسبوقة، وقد أشار سموه، حفظه الله، إلى مكمن المشكلة حيث تسببت عقودٌ من الضغط لوقف استثمارات الطاقة الأحفورية قبل توفير البدائل المستدامة والصديقة للبيئة في نقص إمدادات الطاقة اليوم، وقدم رؤية في غاية الأهمية تقوم على ضرورة تنويع مصادر الطاقة وعلى إدراك أن مستقبل الطاقة سيشمل مزيجاً متنوعاً من مصادرها المستدامة مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين وطاقة الرياح والمصادر الهيدروكربونية.

الحوار والعمل المشترك

أعاد صاحب السمو التأكيد على إيمان قطر بالحوار والعمل المشترك ومحاولة تفهم كل طرفٍ للطرف الآخر بأن يحاول أن يضع نفسه في مكانه ليرى الأمور من منظوره، مشيرا في هذا الإطار إلى الحاجة الملحة للدول الصغيرة والمتوسطة لقواعد ثابتة تنظم العلاقات الدولية، فلا يصح أن تكون الاتكالية على الدول العظمى سبباً في التقاعس عن تحقيق التواصل بيننا.

كأس العالم

بعد شهرين بالتمام والكمال سوف تستضيف قطر بطولة كأس العالم، وقد كانت مناسبة في غاية الأهمية أن يرحب صاحب السمو بجميع محبي كرة القدم، وكما قال سموه «فمهما تنوعت قومياتنا وأدياننا وأفكارنا، واجبنا هو أن نمد يد الصداقة ونبني جسور التفاهم ونحتفي بإنسانيتنا المشتركة، ونيابة عن شعبي وبالأصالة عن نفسي، أدعوكم جميعاً للحضور إلى قطر والاستمتاع بهذه البطولة الفريدة، فمرحباً بالجميع».

لقد تناول صاحب السمو في كلمته التاريخية أمام الدورة الـ«77» للجمعية العامة للأمم المتحدة كل ما يشغل بال العالم بأسره، بصراحة معهودة، وقدم التحليل والحلول للأزمات القائمة عبر التعامل معها بمنطق العالم الواحد والإنسانية الواحدة، على أساس ميثاق الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول، وليس من منظور مصالح ضيقة قصيرة المدى، وتهميش القانون الدولي.

آخر نقطة..

من هذه المبادئ والوضوح والمصداقية في التعامل تتشكل خطابات صاحب السمو في المحافل الدولية وهو ما يجعل لها وزناً وصدى لدى العالم والإعلام.. وتقابل بأعلى درجات الإعجاب والاحترام.. وتصنّف بأنها وثائق داعية للمحبة والسلام.

copy short url   نسخ
21/09/2022
55