+ A
A -
باسل صالح كاتب لبناني

يبدو أن ما قامت به اللبنانية سالي حافظ في 14 سبتمبر/‏ أيلول 2022 من تحرير وديعة حق لها ولشقيقتها من المصرف اللبناني «بنك لبنان والمهجر»، بعد أن صادرت المصارف أموال المودعين من دون وجه حق، وذلك على خلفية الانهيار الشامل الذي يعيشه لبنان (ومحاولة تنصّل المصارف من مصادرة أموال المودعين، عبر تحميل مسؤوليتها إلى الحكومات والسياسات المالية الخاطئة للدولة التي استلفت من المصارف معظم الدين العام المتراكم.

لم يكن اقتحام سالي المصرف المرّة الأولى التي نشهد فيها هذا النوع من التحرّكات منذ 17 أكتوبر/‏ تشرين الأول 2019. بل سبقتها محاولات عدّة كانت آخرها قبل شهر مع بسام الشيخ حسين. أما ما يميّز الاقتحام الذي قامت سالي به، فهو سلسلة الاقتحامات التي تلته، والتي يرجّح أن تستمر بالنظر إلى رد فعل المصارف التي سارعت إلى إغلاق أبوابها ثلاثة أيام بهدف تفادي الصدمة ومحاولة لملمة أوضاعها، وبهدف الضغط على الدولة اللبنانية، وعلى أجهزتها، كي تزيد الحماية لفروعها ولموظفيها أكثر مما هو قائم بالفعل، إلا أن ما استوقفنا في الاقتحامات الأخيرة هو ظاهرتان لا يمكن تخطيهما بسهولة.

الأولى دخول ضابط من الجيش اللبناني على الخط، حيث اقتحم مصرفًا في منطقة شحيم في جبل لبنان، كما ذكرت مختلف المواقع والوكالات اللبنانية وغير اللبنانية الإخبارية، فالجميع يعلم أن فقدان الليرة اللبنانية قيمتها الشرائية طاول مختلف رواتب الموظفين العامين، خصوصًا في السلكين الأمني والعسكري، فقد انحدر راتب العنصر إلى ما دون ثلاثين دولارًا. كما أن رواتب الضباط شهدت انهيارًا مماثلًا، وباتت لا تكفي لدفع فاتورة خدمة من الخدمات الأساسية على أفضل تقدير. علمًا أن تقارير كثيرة تشير إلى حالات تخلف عن الخدمة في صفوف العناصر، ومثلها حالات فرار كثيرة في قوارب الهجرة غير الشرعية التي تنطلق أسبوعيًا، وأحيانًا يوميًا، من لبنان. وهو ما يشير إلى أن الانهيار بدأ يفكك عميقًا في الدولة، وفي أجهزتها، وأن تعمّقه يمكن أن يتظهّر باتجاهات أكثر راديكالية ستسري وسيكون لعناصر من الجيش دور فيها.

الأمر اللافت الثاني كمية التضامن التي تلقتها سالي وبقية المقتحمين في مختلف المناطق اللبنانية، ومن لبنانيين مغتربين كثيرين، كما تضامن ناشطون عرب كثيرون، ومن مختلف المنظمات العربية والدولية. لقد تجمهر اللبنانيون حول المصارف مشجّعين الفعل وصاحبه، وصاحبته، بكل الوسائل الممكنة. وهي من المرّات القليلة التي نشهد فيها مثل هذا الإجماع الشعبي، ومثل حركات التضامن العابرة للمناطق والطوائف.

مع كل حدثٍ من هذه الأحداث، جرى الكشف عن وجه الدولة اللبنانية، وعن وجه أجهزتها، أمام الشعب اللبناني وأمام العالم بأكمله، وبدأت كل الآمال بتحقيق بعض العدالة تتبدّد. هذه الدولة التي يفترض أنها تدافع عن القيم الليبرالية: الحق بالحياة، والحق بالملكية، والحق بالحرية، حرمت ناسها من الحرية، ومن الملكية، ومن الحياة نفسها.العربي الجديد

copy short url   نسخ
21/09/2022
0