بوادر أمل وثمة انفراجة بدأت تظهر في المشهد العربي حول بعض القضايا العالقة والمعلقة والمقلقة، التي ظلت رهن الاختلاف والاختطاف، في أكثر من مســـار، وعلى طاولات الحوار، حتى وصل الأمر للسلاح والقصف على خط النار.

لا أحد يفضل المواجهات المسلحة في أي مكان وزمان، فالإنسان بطبيعته وفطرته يكره العنف والقتل والدمار والحروب.. لكن المثل العربي يقول: «آخر الطب الكي».. ولذلك كان لابد من وضع الحديد في النار، للتعامل مع بعض الأشرار الذين يعتدون على الشرعية ويرفضون الحوار!

في الساعة الثانية من صباح يوم الخميس 26 مارس 2015، انطلقت عاصفة الحزم، بقرار من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبمشاركة «10» دول، ضد جماعة الحوثي، التي انقضت على الدولة اليمنية، قبل ذلك بقليل، فصادرت الجيش والسلاح والمؤسسات، لكنها لم تتمكن من مصادرة قرار اليمنيين، ولا عزم الأشقاء، الذين هبوا لنجدتهم في واحد من أهم التطورات التي شهدتها منطقتنا العربية.

بعد عام واحد من هذا التدخل، بدا أن الأمور تتجه نحو الصواب مجددا، وأن الحوثيين أدركوا أخيرا أن عروبة اليمن، وسلامة أراضيه، واستقلال قراره، لن تكون موضع مساومة على الإطلاق، وأن كافة الأشقاء ليسوا في وارد التخلي عن اليمن واليمنيين، مهما بلغت التضحيات في سبيل ذلك.

يقول الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، في حوار مع وكالة بلومبيرغ، إن «هناك تقدما كبيرا في المفاوضات، ولدينا اتصالات جيدة مع الحوثيين، في ظل وجود وفد في الرياض حاليا».

ما قاله الأمير محمد بن سلمان، له دلالاته، فالرجل كثير العمل، قليل الكلام أو التحدث إلى وسائل الإعلام، وعندما يشير إلى تقدم من هذا النوع، فلأن المملكة العربية السعودية وجميع أشقائها، عملوا منذ البداية على التوصل إلى حل سلمي للمأزق الذي دُفع إليه اليمن، عبر الانقلاب على الدولة ومؤسساتها، والآن عندما تلوح فرصة جدية لحل سلمي، فإن دول التحالف هي أول من يتلقفها، لأن الهدف الأساسي هو إعادة الشرعية إلى هذا البلد، ووقف الصراع، عبر مواقف قوة


سبق التعبير عنها يوم انطلقت «عاصفة الحزم».

واليوم بدأت تؤتي ثمارها، وقادت إلى «حسم» مصير اليمن، أو هي في طريقها إلى ذلك، والذين راهنوا على تحويل هذا البلد العربي إلى شوكة في خاصرة الجزيرة العربية، اكتشفوا أخيرا أن اليمن لن يكون إلا في موقعه التاريخي والعروبي.. واكتشف الطرف المشاغب أن جميع الحوارات ليست بالضرورة أن تكون على الطاولة..!

إذن هو «الحزم» الذي يقود اليوم إلى «الحسم»، وإذا كان اليمن فاتحة القرار الجريء الذي اختارته المملكة، ومجلس التعاون، فإننا على ثقة ويقين بأن سياسة «الحزم» ستقود لمزيد من العزم، وستؤول إلى «حسم» صراعات أخرى أخذت وقتا طويلا في الصراع والصداع، كما هو الحال في سوريا، التي تتعرض لأبشع عملية تدمير، بسبب نظام ديكتاتوري جائر، دمرها عن بكرة أبيها، ولم يتبق منها سوى دمشق الشام، شاهدا على فظاعة الجريمة التي مازال النظام يرتكبها بحق هذا البلد وشعبه.

عاصفة الحزم رأيناها في مكان آخر، صودر قراره السياسي، وعرقل فيه العمل المؤسساتي، وهو لبنان، بسبب الدور السلبي والمؤذي، الذي يلعبه أحد أحزابه في المنطقة، وأقصد به حزب الله، فكان موقف دولنا الخليجية حاسما، وكذلك جامعة الدول العربية باعتباره حزبا إرهابيا، ونحن على يقين بأن الإجراءات التي اتخذت مؤخرا سوف تحسم الأمور إلى ما يشتهي اللبنانيون جميعا إن شاء الله..

في ليبيا أيضا اقترب الحسم بشكل نهائي وتفصيلي، وهي تتلمس طريقها الآن إلى الخلاص وبناء دولة تحقق تطلعات الليبيين جميعا، وقد جاء بيان قطر بالأمس، والذي رحب بوصول المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق إلى العاصمة طرابلس، ليؤكد أن حسم المسألة الليبية بات قاب قوسين أو أدنى، متى ما تم التوافق على مخرجات الاتفاق السياسي، والبدء بحوار شامل، يقود إلى المصالحة الوطنية المنتظرة.

من كل ذلك نخلص إلى أن إرهاصات الحلول المنصفة والعادلة، ما كانت لترى النور، لولا سياسة الحزم والعزم والصبر، وهي سياسة مكلفة، بل باهظة الثمن، لكن التراخي كان سيقود إلى اختطاف الدول من أمنها واستقرارها وهويتها، ويفضي إلى نتائج كارثية على الأمن العربي والقومي، بمفهومه الشامل، وهو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق.. ولا المساومة عليه أو التفاوض حوله.

- محمد حمد المري

رئيس التحرير المسؤول