+ A
A -
حمد حسن التميمي
في علاقاتنا مع الآخرين على الصعيد الاجتماعي أو العلمي أو المهني، نتواصل بطرق مختلفة تنقسم في العموم إلى جانبين: التواصل بصورة لفظية والتواصل بصورة غير لفظية. يتمثل التواصل اللفظي من خلال الكلمات والعبارات التي ننطق بها، بينما ينطوي التواصل غير اللفظي على تعبيرات الوجه ولغة الجسد. ومن المهم للغاية أن نتعلم كيف نفهم الناس من حولنا بناء على كلتا الطريقتين.
في معظم الأوقات، يبدو – كما نظن - أن ما يقوله الشخص يعبر عما في داخله من أفكار تطوف في ذهنه، ومشاعر تعشش في صدره، لكن الحقيقة أننا معظم الأحيان نقول ما لا نريد ونتصرف عكس ما نفكر. إننا مضطرون في هذا العالم إلى إخفاء كم كبير من أفكارنا الشخصية وآرائنا ومشاعرنا الدفينة عمن حولنا، حتى نتجنب الصدام ونحافظ على علاقاتنا الاجتماعية والمهنية، ونحفظ ماء الوجه من سخرية الآخرين ونجنّب أنفسنا الكثير من المشكلات التي تنشأ من الصراحة والتعبير الصادق عن أحاسيسنا وأفكارنا الحقيقية.
ينشأ الإنسان في صغره كصفحة بيضاء لم يُكتب عليها شيء بعد، ثم تأتي الأسرة والمدرسة والمجتمع المحيط لتصبغ شخصيته وتطمس جزءاً من كيانه الذي يعبر عنه بتلقائية وعفوية وهو طفل صغير، فيكبر وبينه وبين الناس حواجز وجدران صعب اختراقها.
وكلما اصطدم المرء بتحديات العالم الخارجي، استيقظ في داخله إدراك ما يخبره بأن عليه ألا يبوح بمكنونات قلبه وعقله، بل أن يدفن بعضاً من شخصيته وكينونته داخل صندوق محكم الإغلاق حتى يستطيع التأقلم والتكيف مع الوسط المحيط.
مع مرور السنين، تتعمق هذه التجربة فيصبح الإنسان بعيداً بأشواط عما كان عليه في طفولته من براءة وقدرة على التعبير بحرية، فتغدو اللغة المحكية أشبه بأداة نستخدمها لنخفي بين السطور ماهيتنا الحقيقية وراء حُجب لا تنتهي!
ورغم معرفتنا لذلك؛ إلا أننا نبقى نظن أن جميع من عدانا إذا قال كلمة فهو يعنيها بحق، وإذا نطق بجملة فإنها تبوح بما يفكر فيه ويشعر به لا محالة، وبأن الكلام هو الوسيط الوحيد بيننا وبين فهم الآخر، إلا أننا واهمون.
على هذا الأساس ظهر علم الفراسة وأجريت مختلف أنواع الدراسات حول لغة الجسد، التي تبين أنها تفضح مكنونات الإنسان التي تخفيها الكلمات. فإذا أردت أن تعرف شخصاً ما بعمق، عليك ألا تدع حروف اللغة تخدعك وتبعدك عن المسار الصحيح المتمثل في دراسة لغة جسده، ومعرفة ما تعنيه تلك الإشارات غير اللفظية التي تفضح حقيقة أمره مهما حاول الاختباء وراء الكلمات.
فنظرات الأعين على سبيل المثال لا الحصر، توحي بمعانٍ قد تخالف ما يقوله الطرف الآخر. هل تذكر مرة أخبرك فيها صديق لك أنه بخير حال بعد أن سألته عن أحواله، غير أنك لاحظت في عينيه شيئاً من الحزن المخفي الذي لا يريد الإفصاح عنه؟ وهل صادف أنك تريد شراء منتج معين فوجدت مندوب المبيعات يحاول تنميقه أمامك بألطف العبارات وأروعها على الإطلاق، وكل إشارة تصدر من وجهه توحي بأنه هو نفسه لا يؤمن بقيمة ما يسوّق له؟ وهل تتذكر كم مرة قلتَ فيها بنفسك ما لا تعنيه وما يخالف أفكارك ومبادئك ومشاعرك الحقيقية؟
لذلك قبل أن تحكم على شخص أو تعتقد أنك تعرفه حق المعرفة لمجرد أنك تصدق كل ما يقوله، توقف قليلاً وادرس لغة جسده وتعابير وجهه بعمق. حلل حركاته وانظر إذا كانت كلماته تتماشى مع الإشارات الجسدية التي تصدر عنه، حتى تزيل الستار وتكشف الرسائل الخفية، فتفهم الحقائق الكامنة خلف ما يُقال.
copy short url   نسخ
20/04/2022
784