+ A
A -
مهنا الحبيل
باحث عربي مستقل-
مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية
في حديثنا هنا عن مساحة تويتر والانشغال به نطرح مساحةً محددة، وليس كل فضاء هذه الأداة التكنولوجية ومسارات توظيفها، فتويتر هو منصة أخبار وعلوم وتقنيات، ممكن أن تتقاطع مع حديث الثقافة بتعددية مساحتها وبشموليتها في المفهوم المعرفي المبسّط، وهي أيضاً ميدان للصراع والتنافس السياسي الشريف والسيئ معا، فضلا عن توظيفات عديدة لسنا بصدد الحديث عنها اليوم.
وفي تويتر أيضا مسار مختلف للنشطاء الحقوقيين والسياسيين، وحتى الوطنيين الذين يعتمدون بعث رسائلهم لمؤسسات الدولة، من داخل أوطانهم لإبقاء مساحة التواصل لصالح شعوبهم مع الحكومات، المختلفة في مستواها من حيث احترام مساحة الرأي والتجاوب الجزئي أو الكلي، أو من حيث درجة القمع التي تُغيّبهم، فالدول مختلفة التقييم في هذا الصدد.
فَعَجْزُ المغرد الوطني عن تحصيل الأرضية الضرورية في الوعي، سواءً من تجارب التاريخ المختلطة بالنضال، وبالفكرة الحقوقية، أو من خلال إدراك المدخل الثقافي التأسيسي لها، ينعكس على مواقفه وسلوكه الشخصي، وقد يفشل في إيصال رسالته، أو في تحريرها على الواقع لمصالح شعبه، وقد يتورط في زاوية معاكسة لضعف أرشيفه الثقافي، المتعلق بتاريخ وطنه ومحيطه.
حتى لو تضخمت أعداد المتابعين له، وعليه فإن عليه مسؤولية، في تحصيل القدر الذي يفتح عينيه مبكراً على الثقافة، التي تحمله لتصحيح مساره.
وسيقفز هنا سؤال موضوعي، لكن ما هو الموقف من المثقف الذي يملأ الفضاء ضجيجاً، وهو شريك مباشر في المآثم التي تتنزل على شعبه أو الآخرين، هل هو بريء؟ فنقول كلا..
فهذا الصنف يتحمل خيانة المبدأ القيمي الذي زعمه، وقد سقط الكثير على سبيل المثال في أحداث الربيع العربي، ولكن هذا لا يعني أن يُفرز كل مثقف اختلف مع الوسائط أو قَيّم المآلات تقييما استراتيجياً، أو أن له مساحة تداول لا تبرز في كل جغرافيا ولا عند كل أزمة، ودائماً أضع كقناعة شخصية معيار عدم التورط في التحريض على ظلم الأبرياء وسفك دمهم، أو إيقاع عقوبة غير مستحقة على أي إنسان.
أما اختلاف زوايا التعاطي والتقدير وجعل تفسير الموقف، بناءً على المبدأ الثوري وخطاب العنف فيه، فهو ليس مظلة منصفة، بل العكس، قد تظلم أبرياء من أصحاب الأقلام، وقد تُساهم في عزل رأيٍ رشيد وفكرة متوازنة، تؤمن بالحذر من الضجيج الثوري حتى ولو ذهب ضحيته عددٌ من الشباب، قتلاً أو حصاراً أو سجناً، أو غير ذلك.
أو ترتب عليه سقوط هيكل صامد للدولة قبل انهيارها وورثه مستبد أكثر توحشا من سلفه، أو سقوط الدولة كلها في أتون الحرب الأهلية، فهذه المنظومة اليوم ليست عذراً فقط لرأي المثقف أو عالم الدين المختلف، الذي سَلِمَ موقفه بموجب المعيار الذي ذكرناه، ولكن له رأيا يجب السماع له قبل المنعطفات الأخيرة، في أي حراك وطني أياً كان مستواه.
وقاعدة الأمر في ذلك أن رأيه الذي هو خطأ بموجب المعيار الثوري المحتقن، هو صواب محتمل، كما أنه خطأ محتمل لو كان ذلك يصنع انسحاباً من كفاح حقوقي، يوشك أن يحقق فارقاً لصالح وطنه وشعبه.
ومن هنا نقارب المحدد الأخلاقي لحركة التعبير، وقارناها بتويتر وهذا يسري على الفيسبوك، ولكن لكون تويتر عالمياً اليوم، هو الأكثر تأثيراً حررنا هذه المسألة في رواقه.
الأمرُ الآخر حجم الضجيج في حركات التسعير، ودفع الناس عبر تويتر إلى خروج احتجاجي مباشر وهم مكشوفو الظهر، في مواجهة أنظمة توحش لا تتوانى عن قتل الناس، وحين يكون الشاب المندفع بين المعتقل والمقصلة، يتبين له أنهُ وحيد معزول عن تلك الجموع والرتويتات، التي تبعت ذلك المثقف الثوري المزعوم، وقد دفعه للقتل وهو الملتحف بردائه المتنعم، يصرخ من مدفئته اخرجوا يا شباب إلى المعركة ولا تجبنوا أمام النظام، وحين يبتلعهم المستبد، يرقص على دمائهم من جديد ليزيد من شعبيته.
copy short url   نسخ
01/01/1970
1745