+ A
A -
في ستينياتِ القرنِ التاسعِ عشر، أرادَ «جون روكفيلر» أن يحتكرَ تجارةَ النفطِ في أميركا، ولكنه كان يعرفُ أنه إذا حاولَ ذلك مباشرةً فإنه لن ينجحَ أبداً، فلا أحد يرغبُ في بيعِ شركةَ نفط، مهما كان المرءُ ساذجاً فإنه لن يبيعَ بقرةً حلوباً بسطلِ حليب!
فكان لا بُد له أن يُغيِّرَ قانونَ اللعبة!
اشترى سراً شركاتِ سككِ الحديدِ التي تنقلُ النفطَ من المصافي وتُسلِّمُه إلى الشركات، ثم بدأَ يُحاولُ الاستحواذَ على الشركاتِ واحدة تلو أخرى، وعندما يلقى مُعارضة، ورفضاً قاطعاً للبيع، كان يكشفُ عن مُلكيته لسككِ الحديد، وكان ببساطةٍ يمتنعُ عن نقلِ نفطهم، أو يرفعُ تكلفةَ النقلِ إلى درجةٍ يُعرِّضُ هذه الشركة للخسارة!
وبين إفلاس تام، وصفقة تضمنُ الخروج برأسِ المالِ وشيءٍ من الربح، كان أصحابُ الشركاتِ يضطرون للبيع، وهكذا وفي أقلِّ من عشرِ سنواتٍ أصبحَ روكفيلر هو رجل النفطِ الأوحدِ في أميركا!
عندما أُوْرِدُ مثل هذه القصص، فلستُ أؤيدُ الجشع، ولا الاحتكار، ولا أقولُ إنَّ على المرء أن يزيدَ ثروته ولو أدَّى ذلك إلى إفلاسِ الآخرين! على العكس تماماً، أكرهُ الجشعَ والجشعين، والاحتكارَ والمُحتكرين، ولستُ أمقتُ في الحياة أكثر من مقتي للأشخاصِ الذي يرون المالَ غاية..!
ولكني أوردُ هذه القصص من بابِ أنَّ هذه الأشياء تحدثُ في الحياة فعلاً، والحقيقةُ تبقى، حقيقة سواءً أحببناها أو كرهناها!
والعاقلُ عليه أن يعرفَ كيف يتصرَّفُ شياطينُ الإنسِ وإلا وقعَ ضحيةً لهم، ويُعجبني قول عُمر بن الخطاب: لستُ بالخب ولا الخب يخدعني!
وقوله الآخر: من لا يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام!
الشيءُ الذي يُستفادُ من القصةِ أن على المرء أن يعملَ بذكاءٍ لا بجهدٍ فقط، وأن يفهمَ قوانين اللعبة التي تجرى، فما لا نفهمه جيداً لا نستطيع التعامل معه، فضلاً عن أن نُغيِّره!
عندما جاءَ نعيم بن مسعودٍ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُسلِماً في غزوةِ الخندق، لم يطلبْ منه أن يلتحق بجيشِ المُسلمين، رغم أنَّ هذا هو قانون اللعبة، وعُرفها السائد! وإنما نظرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الأمرِ بذكاء، نعيم بن مسعود رجلٌ واحد، وما الإضافة التي سيضيفها رجل واحدٌ بسيفه ضد جيش! فأمره أن يذهبَ ويُخذِّلَ بين الأحزاب، وهكذا كان!
لو تأمَّلنا في هذا الحدث لوجدنا أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم غيَّر قواعد اللعبة أيضاً!
بقلم: أدهم شرقاوي
copy short url   نسخ
01/01/1970
1721