+ A
A -
حمد حسن التميمي
كثيرا ما نرفض الواقع ونحلم بأشياء لا نملكها في الوقت الحالي، نعاني انفصالاً ذاتيّاً عما هو موجود ونعيش أحلاماً وردية بعيداً عن الملموس. نغوص ونغوص عميقاً في عوالم فانتازية تخترعها عقولنا الظمأى إلى السعادة والنجاح، فتكبر المسافة بيننا وبين حاضرنا وندخل في دوامة العيش في المستقبل، هذا إن لم نعلق في ذكريات الماضي دون فكاك!
معظم مشاكل البشر منذ بداية وجودهم على هذه الأرض يمكن تلخيصها في أمرين: العيش في الماضي، أو العيش في المستقبل.
إن غالبية الناس منذ قرون وحتى وقتنا الراهن منفصلون عقليّاً ونفسيّاً عما يجري على أرض الواقع، يحيون في عوالم خاصة صنعوها بمحض مخيلاتهم بدلاً من التركيز على اللحظة الحاضرة «الآن».
هذا الانفصال، هو السبب الكامن وراء معظم مشكلاتنا؛ لأن الطاقة الذهنية والروحية والجسدية، إذا لم توجه إلى المسار الصحيح ضاعت هباء منثوراً. فما الفائدة من التفكير في ماض ولّى وانقضى، أو تخيل مستقبل لم يأتِ بعد، بينما الحاضر لا نعيشه؟!
تحدث هذه المشكلة المتكررة مع ملايين الناس على مستوى العالم، وبصرف النظر عن أوضاعهم الاجتماعية أو المادية. فقد يظن البعض أن الفقر والظروف السيئة سبب كل معاناة وانفصال عن الواقع، لكن ذلك غير صحيح. فحتى في المجتمعات المتقدمة وبين الأثرياء يمكننا أن نلاحظ عدم رضاهم عن كثير من الأشياء في حياتهم رغم كل ما يملكونه من أموال طائلة!
يرجع سبب ذلك كله إلى رفض الواقع وعدم تقبل الحياة كما هي، كلنا لدينا تطلعات وأحلام ورؤية خاصة للسعادة والنجاح ما إن تصطدم بالمعيقات حتى نلجأ إلى إنكار ما يجري ورفض ما يحدث ونستغرق في أحلام اليقظة أو ذكريات أيامنا الماضية.
إذا عشت تجربة سعيدة في ماضيك انتهت يوماً كما ينتهي كل شيء في الحياة، فلربما تجد نفسك غارقاً في ذكرياتها ما تبقى من حياتك، رافضاً حاضرك ومستقبلك. وإذا كنت في قلب حاضر لا شيء فيه يعجبك فلربما تنغمس في تصورات المستقبل الجميل فتنسحب فكريّاً ونفسيّاً من واقعك الحالي. في كلتا الحالتين أنت ترفض حياتك الراهنة وتحاول الهرب إما بالرجوع إلى الماضي أو القفز إلى المستقبل. فما الحل؟
في علم النفس توجد قاعدة مهمة إذا استوعبتها بدقة فبوسعها أن تقلب حياتك رأساً على عقب، وتنقلك من عالم التعاسة إلى عالم رحب من البهجة والنجاح المتكرر. إنها قاعدة تقول: «ما ترفضه ينجذب إلى واقعك بقوة!». بمعنى أنك إذا غير متقبل لوضعك الراهن وترفض الفقر، والمعاناة، والفشل.. إلخ، فأنت دون وعي منك تجتذب كل تلك الأشياء السلبية إلى حياتك بصورة منتظمة.
يرجع السبب في ذلك، أن أفكارنا هي ذبذبات تخرج منا لتندمج مع العالم الخارجي ثم تعود إلينا حاملة ما يشبهها. وبالتالي، عندما تفكر بأفكار سلبية فأنت تستقطب إليك كما المغناطيس كل الأشخاص السلبيين والأحداث غير السارة، وإذا رفضت شيئاً فإنه ينجذب إليك بقوة أكبر؛ لأنك تفكر فيه.
أما الحل، فيكمن في تقبلك لأي شيء لا تريده بدلاً من إنكاره ورفضه. لا تركز على مدى رفضك للسمنة، بل فكر في جسم مثالي وتقبل وزنك الحالي بكل حب. وإذا أردت النجاح فلا ترفض الفشل بل احتضنه وتقبله، فإن حدث فسيمر مرور الكرام لتُكمل طريقك وتحقق ما تصبو إليه.
يكفي أن تتقبل أي شيء لا تريده في حياتك مع محاولة تغييره، وسيختفي من واقعك بسهولة كبيرة؛ لأنك بتقبله تسحب من تحته البساط وتلغي سطوته وقوته، تماماً مثلما يحدث إذا حاول أحدهم استفزازك فاكتفيت بالصمت أو التجاهل الذي يسلبه كل القوة التي ظن أنها بحوزته، كأنما جرّدته من كل أسلحته أمام جبروت هدوئك العظيم.

[email protected]
copy short url   نسخ
01/01/1970
888