+ A
A -
مهنا الحبيل
باحث عربي مستقل -
مدير المركز الكندي للاستشارات الفكرية
لو اختيرت أفضل خمس لوحات معبرة، برزت في بطولة كأس العرب التي اختتمت في الدوحة، عن البعد الأخلاقي للرياضة - وكم أفسدت الملاعب هذا المصطلح وحوّلته لأسطورة، لكان أهم هذه الصور هو مشهد ذلك الصحب والرفقة الجزائرية المغربية، من زوار أو سكان قطر، والذين وجّهوا رسالة وحدة وتضامن لا تسمو على عصبيات الرياضة فقط، بل على كل المشروع الإعلامي والخطاب الشعبوي الكريه، الذي انتشر في ظل الأزمة القائمة بين الدولتين.
فهنا لاحظنا كيف تجاوب ملايين العرب مع هذه اللوحات، وخاصة من شعبي الجزائر والمغرب، كنّا في لحظة فارقة حققت فيها الرسالة الرياضية، مساحة اختبار مبشرة مهمة.
وهنا عودة للسؤال الكبير، من يُفسد أخلاق الشعوب، من يدفعها للصراع، هل هو خلل ذاتي وهذا وارد في كل مجتمع عربي، فهناك جذور عنصريات وكراهية خطيرة، لكن من يُفجرها من يشعلها من يدفع الشعب لأتونها، هي السياسة وهي سياسة لا تنشأ كالفطر البري، ولكن لها أيقونات ومحركات مرتبطة بأجهزة الدول.
هل هذا إرث يخص الدولتين؟ كلا.. فهو مشهود ولا يزال في خطابات الصراع التي شهدناها خلال أزمة الخليج، بين أهل الإقليم ذاتهم، ثم هي اليوم أحد عناصر الفتنة الصهيونية بين الشعوب العربية وخاصة ما بين إقليم الخليج العربي، وشعب فلسطين الوطن المحتل، إن هذا النجاح إذن رغم محدودية المقاطع وقلتها مقابل حشود العصبيات، ظهر تأثيره الإيجابي بل وتلقاه الجمهور العربي وتفاعل معه.
عصبيات لم تقف عند الصراع بين الدول ولكن بين مكونات المجتمع في القطر الواحد، ولعل روح كأس العرب كانت أقرب لمفهوم العروبة الجامعة التي تشمل مواطنينا من العرقيات الأخرى، وليس القوميات العقائدية الانفصالية، التي انتشرت خلال عهود الأحزاب القومية العربية، من الناصريين للبعثيين لليسار القومي، إذن فمساحة التفاهم والتوافق والتواد حاضرة بيننا في الأمة العربية، واستعداد الشعوب للتعاطي معها قائم، وهذا لا يُلغي أهمية الخطاب والأرضية التي بسطتها الدولة المضيفة، وإبداعها في هذا السياق الأخوي والأخلاقي في إعلامها.
ولكنه يؤكد على قابلية العرب المفقودة، للوحدة والتآخي والتضامن في سبيل العلاقات الإيجابية بين الشعوب، والتوجه نحو منابر الخطاب الإيجابي، وهذا يعني أن القابلية للصراع والانحطاط والأقلمة والعنصرة، كما كانت في الزمن القديم في القابلية للاستعمار، هي مشاريع توجيه وتوظيف، انحرفت بالعرب عن رسالة الإسلام الحضارية والأخلاقية.
فهل يُخفف هذا من الكارثة الأخلاقية في الواقع العربي؟
أيضاً كلا.. ولكننا نحيي منائر هذا الأمل، ونشير للشعوب ذاتها بأن هناك كومة من الخداع، ومن سياسة صناعة الصراع، هي مزاعم فتّتَكم وفتنتكم في خطابكم لأشقائكم، ولذواتكم في القطر العربي الواحد.
أما الأمر الآخر فهو اجتماع العرب على قاعدة مشروع نهضة أو الإيمان بفكرته، وقد حضرت قضية عقول العرب المهاجرة في البطولة، لكن ما يعنيني هو أن الأرض العربية عطشى لمفاهيم التضامن نحو الإنجازات النوعية لإنسانها وأوطانها، لكن الشعوب حُرمت هذا الخير، وكانت مواسم العرب من عهد سايكس بيكو في الاتجاه المعاكس، رغم أن روح التوافق والتوحد يمكن أن تتم بين العرب وهم في أقطارٍ متعددة، لو حكمتهم سياسة رشيدة تجمع مصالحهم وتبني على هويتهم المشتركة التي كانت قلعتها للمسلمين وغيرهم الحضارة الإسلامية، وكانت مبعثها الأخلاقي.
إننا اليوم بعد هذا المثال الإيجابي نتساءل عن غياب المنصات العربية الرسمية وغير الرسمية، وقد يتحفظ على قولي الكثير وهل بقي عند المواطن العربي مساحة غير رسمية؟
فأقول نعم وهي في المهجر، فمن تجربتي برز لي أن القصور الذي يقع في المهجر ليس فقط بسبب مواسم الأنظمة وأذرعتها وتوظيفها، ولكن في أزمة المثقف العربي بذاته وانسحابه من محاولات بعث الوحدة العربية في إطار مشاريع ومنصات حوار نهضوية، وليس في طاولة صراع وظيفية.
فمن الممكن أن تُنفّذ مؤتمرات حول مفهوم الأساس الأخلاقي للشعوب العربية، تتناول عوامل الأزمة والنهضة في التاريخ السياسي العربي، والبحث عن مصالح الوطن العربي الجيوسياسية، ونعلم تماما أن هناك من سيتربص لها، لكن إعلان الهزيمة له قبل الكفاح في سبيل الوعي الحضاري والتقدمي للنهضة، هو الموت الذي حل بنا في المهجر الغربي، فلعلنا نشرب من رسالة كأس العرب، ما يحرك عزيمتنا، وشكراً لكل من يرعى هذه المبادرات المهجرية دون مشارطات.
copy short url   نسخ
01/01/1970
1738