استمعنا جميعا بالأمس لخطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، عشية شهر عظيم، هو رمضان، شهر الصّيام والبرّ والإحسان، وشهر العتق من النّيران، تزداد فيه وتيرة التّكافل والتراحم، وفيه تتّجه القلوب إلى قراءة القرآن الكريم وتدبر معانيه، متضرعين إلى العلي القدير أن يحفظ بلدنا وشعبنا من كل مكروه.. وأن يرفع الوباء عن الجميع.

كنا بحاجة لسماع صاحب السمو لنطمئن وتدخل السكينة إلى نفوسنا، وهي لم تفارقنا منذ أن بدأت هذه الجائحة تقض مضاجع العالم بأسره.

نعم.. لم تفارقنا الثقة، ولم يغب عنّا الاطمئنان، بفضل الله أولاً، الذي حبا هذه البلاد بقيادة رشيدة وشعب واعٍ، ثم بجهود عيون ساهرة أحاطتنا بالرعاية، وأيادٍ حانية مسحت عن قلوبنا القلق منذ اللحظة الأولى لتفشي هذا الوباء، إذ عملت مؤسسات الدولة، وفق توجيهات عليا، على تأمين كل الأسباب التي من شأنها حمايتنا وتلبية احتياجاتنا، وأنفقت المليارت لضمان استمرار عجلة حياتنا دون منغصات.

إن من أعظم نعم الله علينا أن جعل لنا شهراً مُميّزاً عن باقي شهور السّنة، نُجدّد فيه عزيمة التّوبة والإيمان، ونزيد وتيرة التّكافل والتراحم، ونجدد معاني الحب والولاء لقيادة تصل الليل بالنهار من أجل أمننا وطمأنينتنا وراحتنا، وهذا ما سمعناه من صاحب السمو، الذي حرص على مخاطبتنا عشية الشهر الفضيل، ليشد من أزرنا ويضعنا في صورة الأوضاع الناجمة عن تفشي وباء كورونا، بمنتهى الشفافية والصراحة.

أود أن أعود إلى الوراء.. قرابة ثلاث سنوات.. وتحديدا يوم الجمعة 21 يوليو 2017، عندما ألقى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، خطابا متلفزا للمواطنين والمقيمين على أرض قطر، حول الوضع السائد والتوجهات المستقبلية لدولة قطر، في ظل الأزمة الخليجية.

يوم أمس.. كان موعدنا مع الخطاب المتلفز الثاني في ظل قضية مختلفة هذه المرة، ناجمة عن تفشي وباء كورونا، وبين الخطابين ثمة عوامل مشتركة، أبرزها روح التضامن والتآلف التي برزت بقوة، من جانب المواطنين والمقيمين على أرضنا الطيبة.. وطريقة القيادة في انتهاج أسلوب المصارحة والمكاشفة والوضوح.

في الخطاب الأول امتدح صاحب السمو وقفة الشعب القطري تلقائيا، وبشكل طبيعي وعفوي، دفاعا عن سيادة وطنه واستقلاله.

وفي الخطاب الثاني (أمس) وضعنا سموه في صورة الوضع الناجم عن تفشي مرض كورنا، بصراحة وعمق، مؤكدا على ضرورة تعاون الجميع لمواجهة الوباء، وعبور هذه المرحلة.

بين الخطابين سنوات ووقائع ومتغيرات، لكن عاملا مشتركا واحدا برز في الحدثين، أشار سموه إليه في خطابه الأول، عندما أكد أن الأزمة «دفعت المجتمع القطري، ليس فقط إلى استكشاف قيمه الإنسانية، إنما أيضا إلى استكشاف مكامن قوته، في وحدته وإرادته وعزيمته».

في خطاب الحصار ثمة رسائل في غاية الأهمية لا بد من استذكارها اليوم:

{ الحياة في قطر تسير بشكل طبيعي منذ بداية الحصار، وقد وقف الشعب القطري تلقائيا وبشكل طبيعي وعفوي دفاعا عن سيادة وطنه واستقلاله..

{كان هذا امتحانا أخلاقيا حقيقيا، وقد حقق مجتمعنا فيه نجاحا باهرا، إذ أثبتنا أنه ثمة أصول ومبادئ وأعراف نراعيها، حتى في زمن الخلاف والصراع، وذلك لأننا نحترم أنفسنا قبل كل شيء.

{ رغم المرارة التي أحدثتها هذه الخطوات (الحصار) فإن الحكمة السائدة، والأكثر انتشارا في المجتمع القطري هذه الأيام هي «رب ضارة نافعة»، والتي تتوافق مع الآية الكريمة (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم).

كانت تلك الرسائل الثلاث خلاصة موقف قطر من الحصائر الجائر على بلدنا الحبيب، أستعيدها اليوم مع الخطاب المتلفز الثاني لصاحب السمو، الذي تضمن جملة من التطمينات أهمها:

{ لقد رصدت الدولة مبالغ كبيرة لمواجهة هذا الوباء، عبر حزمة مساعدات مالية كبيرة.

{ قدرة شعبنا وصلابته ووحدته التي نستمد منها العزم.

{ التعاون لمواجهة تبعات انخفاض أسعار النفط.

{ اتخاذ الإجراءات اللازمة لعبور هذه المرحلة.

{ ضرورة الالتزام بالإجراءات الاحترازية.

{ توجيه مجلس الوزراء للقيام بإصلاحات جذرية تحرر اقتصادنا.

وكعادة سموه، فإنه لم ينس أولئك الشجعان على الخطوط الأمامية للمواجهة؛ الطواقم الطبية والأمنية والعسكرية، الذين يبذلون جهودا خارقة لمواجهة هذا الوباء والحد من آثاره، وقد لمسنا جميعا هذه الجهود الرائعة، وعايشنا جميعا تفاني أجهزتنا الطبية والأمنية، وكل ما تبذله المؤسسات الأخرى، وهو مصدر فخر وتقدير كبيرين.

لقد بشرنا صاحب السمو بأننا نسير على الطريق الصحيح بخطى واثقة، لذلك نشعر بالطمأنينة والسكينة ونحن نستقبل الشهر الفضيل، ولعل أفضل ما يمكن أن نقدمه في مواجهة هذا التفاني والحرص على مصلحة وطننا وأمننا وازدهارنا هو الالتزام بالإجراءات الاحترازية، فالمسألة لا تتعلق بنا كأفراد فحسب، لكن بمجمل المجتمع الذي نعيش فيه، وكلما كان التزامنا أكبر وأوسع، مددنا يد العون لأجهزتنا التي تتفانى من أجل حمايتنا، وقللنا الكلفة والحمل عن كاهل الوطن.

نعم، شعرنا بالاطمئنان، وقبل ذلك بالمسؤولية، وهي جسيمة تحتم علينا جميعا ممارسة أقصى درجات الحيطة، وأكبر قدر من الالتزام، فهذه مرحلة مختلفة، التقصير فيها من فرد، أو الإهمال، قد يهدم عمل المجموعة، وبالتالي مطلوب من الجميع- دون استثناء- الوقوف مع الوطن الذي وقف معنا، ومع قيادتنا التي لم تبخل علينا بالغالي والنفيس، وأقل ما يمكن أن نفعله في هذه المرحلة هو رد الجميل، وتقدير طبيعة الظرف الراهن، والعمل من أجل إنجاح الإجراءات اللازمة التي ستتخذها الدولة لمواجهة الوباء، حماية لنا ولأمننا وصحتنا وازدهارنا.

لقد بشّرنا صاحب السمو في نهاية كلمته بأننا نسير بخطى واثقة على الطريق الصحيح، وقد أدركنا ذلك منذ اللحظة الأولى لتفشي هذا الوباء، وعندما توجه سموه إلى قادة دول العالم، ودعاهم للتعاون لا التنافس في إنتاج اللقاحات والعلاجات، فإن سموه فعل ذلك مستندا إلى الدور الذي لعبته قطر حيال هذه الأزمة الصحية العالمية، عبر تقديم الدعم والمساندة للعديد من دول العالم، فكانت قطر- بحق- المثال الذي حظي بالإشادة والتقدير، بسبب الدور الإنساني الذي لعبته، ومن ذلك المساهمة في نقل مئات آلاف العالقين إلى دولهم عبر الخطوط الجوية القطرية، ناهيك عن تقديم المساعدات الطبية والإغاثية بصورة مبكرة للغاية، لكل من احتاج إليها من الأشقاء والأصدقاء.

لقد اهتمت قطر بشعبها، وبكل مقيم على أرضها، لكنها لم تنس في زحمة كل ذلك احتياجات الآخرين لمواجهة الوباء والحد من رقعة انتشاره.

هذه هي المسؤولية الأخلاقية والإنسانية التي تميز قطر الصغيرة بمساحتها والكبيرة بأفعالها.. كعبة المضيوم، ومرتجى المظلوم، وإذا كنا نشعر بالأمن والأمان وتوفر الغذاء والدواء هنا بفضل الله، ثم بفضل القطاعات الساهرة على أمننا وصحتنا وسلامة مجتمعنا وتوعيته، عبر إعلام واعٍ ومسؤول، فإنه حري بنا أن نكون على قدر المسؤولية، وأن نقدم نحن أيضا أروع الأمثلة في التكاتف والتلاحم والالتزام بالإجراءات الاحترازية، وهذا ما يفعله الجميع أو الغالبية العظمى.

لقد أوضح صاحب السمو أن الطرف الأول في الوقاية هو الدولة ومؤسساتها، أما الطرف الثاني فهو المواطن المسؤول الملتزم بالتعليمات، والممتنع عن الاختلاط أو الخروج من بيته لغير الضرورة القصوى، والملتزم بالتعقيم وغيره من إجراءات الوقاية الشخصية.

يجب أن يدرك كل فرد أن إهماله لن يؤدي فقط إلى إصابته، بل أيضاً إلى تعريض الآخرين للخطر، فهذه مسؤولية وطنية جسيمة يجب أن نعمل من أجل النجاح بها، وهذا أقل القليل الذي يتعين أن نقدمه لقيادتنا الساهرة على سلامتنا.

وكما أوضح صاحب السمو في بدء كلمته، فإن هذا الشهر يستدعي أسمى قيم ديننا الحنيف، وما يتأسس عليها من فضائل في العبادات والمعاملات، بما فيها من أفعال الخير والتسامح، والعطاء من دون منة، والتواضع، والسلوكيات الأخلاقية، والقيام بالواجب، والمسؤولية الفردية تجاه الآخر والمجتمع عموماً.

آخر نقطة..

قطر وشعبها من مواطنين ومقيمين يشعرون بالفخر والاطمئنان خلف حاكم حكيم وصادق وشفاف، يخاطبهم بلغة العلم والمنطق والموضوعية لمواجهة هذا الوباء، ويحفز شعبه على الالتزام بفضائل وقيم أهل قطر الدينية والأخلاقية والإنسانية في شهر رمضان المبارك.

فعلاً.. «خطاب سامي» شعرنا به عن قرب .. ينعش المعنويات وينشط العقول ويستدعي الاجتهاد على مواجهة التحديات القادمة.


بقلم رئيس التحريرالمسؤول:
محمد حمد المري