+ A
A -
د. أشرف حسين

نتحدث اليوم عن قضية مهمة تعتبر من أهم القضايا في عصرنا الحالي، ألا وهي قضية الحنين إلى الماضي، التي شغلت الكبير والصغير والرجال والنساء، فهي ذكريات أيام الصبا، ذكريات الزمن الجميل، على الرغم من التقدم العلمي الذي نشهده في عصرنا الحالي، إلا أننا نشتاق إلى الماضي التليد، نترك القصور والمباني الحديثة والأبراج، ونجلس في الخيمة المتواضعة، ونتبادل الأحاديث العذبة ونتسامر ليلًا، ونتذكر بطولات الآباء والأجداد، والبيوت القديمة التي كنا نعيش فيها قبل هذا التطور، وكنا إذا مشينا من أمامها نتذكر أيام الطفولة البريئة، والجيران الطيبين، وكأننا أسرة واحدة، فهي أيام بركة، أيام الزمن الجميل، والناس الطيبين، فجميع الناس في كل زمان ومكان يشتاقون إلى الماضي بعبقه، ورائحته الجميلة، يشتاقون إلى نصائح الجد، وحكايات الجدة الممتعة، عندما يجتمع حولها أحفادها ويستمعون إلى قصصها الرائعة، حتى قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة كان عنترة بن شداد عندما يمر من أمام بيت عبلة يحيي دار عبلة ويقول: يا دارَ عَبلَةَ بِالجَواءِ تَكَلَّمي * وَعَمي صَباحاً دارَ عَبلَةَ وَاِسلَمي، فَوَقَفتُ فيها ناقَتي وَكَأَنَّها * فَدَنٌ لِأَقضِيَ حاجَةَ المُتَلَوِّمِ،حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهدُهُ * َأقوى وَأَقفَرَ بَعدَ أُمِّ الهَيثَمِ، أي بعد ترك عبلة الدار أصبحت مهجورة كالصحراء، فهو يتذكر أيام الصبا، وهم يلعبون أمام الديار، يتذكر أيام الزمن الجميل، والناس الطيبين، وكذلك زهير بن أبي سلمى يقف أمام بيت محبوبته عشرين سنة، وهو يتذكر أيام الصبا، ويقول: وقفْتُ بها من بعدِ عشرِينَ حِجَّةً * فلأيًا عَرَفْتُ الدّار بَعْدَ تَوهمِ، أي أنه يقول: وقفت بدار أم أوفى بعد مضي عشرين سنة من بينها، وعرفت دارها بعد التوهم بمقاساة جهد ومعاناة مشقة، يريد أنه لم يثبتها إلا بعد جهد ومشقة لبعد العهد بها ودروس أعلامها، فالحنين إلى الماضي سمة من سمات كل إنسان، لأن الماضي فيه الحب والألفة والمودة والتعاون والبركة، فالجميع متحابون في الله بدون مصالح شخصية، الناس سواسية متواضعون بسطاء، يحب كل منهم الآخر بدون مقابل، في كل حي وكل شارع وكل مكان يجتمع الشباب قديمًا وكأنهم أسرة واحدة يأكلون مع بعض ويتبادلون الأحاديث العذبة ويتسامرون ليلًا داخل خيمة متواضعة، ويحكون قصص الآباء والأجداد وبطولاتهم على مر التاريخ، ومن الثوابت القولية التي يرددها كثير من الناس أن الماضي أجمل من الحاضر وأن الناس في الماضي أفضل منهم في الحاضر، وأن الجار يحب لجاره ما يحب لنفسه، بل كان الأب يسافر سنوات بعد أن يوصي جاره (العزيز) على العيال و(أم العيال).

copy short url   نسخ
06/08/2022
0