+ A
A -
منى بابتي كاتبة لبنانية

كنت أنتظر ابني أمام إحدى الأماكن الترفيهية فوجدته يخرج مع مجموعة من الشباب، وبينما هم قادمون مع ابني لركوب السيارة تفاجأت بأن أحدهم قام برمي مجموعة من الأكياس التي بيده أرضا وتابع السير، وبينما كنت أحاول التمعن فيما رماه وجدت رجلا آسيويا يهم بحمل تلك الأكياس ورميها في حاوية النفايات فتساءلت: «ما الذي دفع هذا الشاب لرمي الأكياس ودفع الشاب الآسيوي إلى رفعها ووضعها في الحاوية؟ إنه التعليم فقط لا أكثر». ولكي نكون أكثر واقعية، بدأت أتابع الفرق في الأنظمة التعليمية فوجدت أنه أمام هذه التغييرات المتسارعة في العالم بدأنا نشهد ثورة علمية في العديد من الدول، ومن أهمها تجربة التعليم الذكي الذي بدأ يشق طريقه بقوة إلى مدارس اليابان والصين وكوريا الابتدائية، إنهم يجهزون جيلا آخر من البشر، جيلا متعلما، مفيدا ومثمرا، والأهم من هذا كله أنه جيل منتج. التعليم الذكي الذي تخطى التصورات المرسومة للمستقبل القريب يُعنى بالجمع ما بين المهارات والمعارف، فهم يجهزون جيلا جديدا مفعما بالطاقات ويستثمرون فيه المستقبل بطريقة مختلفة، لذلك جمعوا ما بين الماضي والحاضر والمستقبل من خلال بناء مناهج متطورة تلامس الواقع لتحويل الجيل إلى جيل أكثر كفاءة وفعالية. يقول الأستاذ لاهان، أستاذ العلوم في إحدى المدارس اليابانية: من المعلوم أن اليابانيين يشتهرون بثقافتهم وتعليمهم وصدقهم وأمنهم وتكنولوجياتهم وذكائهم، وهذا كله يعد النتيجة الطبيعية لنمط التعليم الجيد المعتمد لدينا، حيث إن تعليمنا يواكب التطورات بسرعة مذهلة، لذلك فإن النظام التعليمي الياباني يحمل من الاختلاف والفرادة ما يميزه عن بقية الأنظمة التعليمية المعروفة. كنا قبل عام 2014 نركز بشكل أساسي وكبير على النظافة والالتزام بالمواعيد والتعاون والعمل الجماعي، لكننا خلال السنوات الماضية بدأنا نصيف مجموعة من المهارات الأساسية كتدريب الطلاب على الزراعة، وتدريبهم على المبادئ الأولية للصناعة، وكيفية المحافظة على الموارد سواء المالية أو الطبيعية، لذلك نجد أنفسنا قد أسسنا لجيل آخر من البشر، يجمع المهارات المتطورة للمحافظة على حياته، ويتقن لغة التكنولوجيا المتطورة لبناء مستقبله. لقد باتت فصولنا تشمل المواد اليابانية اللغة اليابانية والدراسات الاجتماعية والرياضيات والعلوم والموسيقى والفنون والصحة والتربية البدنية، بالإضافة إلى فصول مختلفة مثل العمل المنزلي، والعمل الزراعي والصناعي، والتخطيط الاستراتيجي، والمنظومة البيئية وكيفية المحافظة عليها، وتفعيل الكفاءات الذاتية، والتربية الأخلاقية والمواطنة. وركزنا خلال المراحل الابتدائية على أن لا يتلقى الطلاب بطاقة تقرير بالدرجات، بل يتلقون لوحة إعلانات تسمى «tsuuchihyou» تجد ضمنها معلومات متكاملة عن مهارات وكفاءات الطالب، إضافة إلى معلومات مختلفة حول أداء الطالب وطاقاته ومواهبه وقيمه. ليس هذا فحسب، بل إن اكتساب الطالب لتلك المهارات والكفاءات والمعارف لا يحقق لنا أهدافنا في بناء هذا الجيل المختلف، بل نعمل جاهدين خلال تعليمهم على أن يكونوا مهذبين وأصحاب أخلاق مميزة بكل ما للكلمة من معنى، وتدريبهم على حذف مفهوم مصطلح «الفشل» من حياتهم أو فكرهم، فنحن نؤمن أن الفشل داء قابل للتعافي لو تمكنا من صقل قدرات الطلاب. أمام هذه المنعطفات الجدية في عالم التربية والتعليم، يتوجب علينا كأولياء أمور أن نخطط نحن أيضا لبناء جيل جديد من أبنائنا جدير بحمل الأمانة (أمانة العلم) لمستقبل أفضل وسعيد.

copy short url   نسخ
06/08/2022
5