+ A
A -
أحمد سعداوي كاتب عراقي

خلال أغلب المواجهات السياسية منذ 2003 كانت الأحزاب العراقية تستعمل جمهورها وسيلةً من وسائل الصراع السياسي، حتى جاءت انتفاضة تشرين (2019) وفاجأت الجميع؛ فها هو جمهور لا يخضع لأي تيار سياسي يخرج، من دون قيادة واضحة، ليهدّد كل الأحزاب السياسية ويهدّد مصالحها وسلطتها.لذلك كان من المفهوم أن تتفق كل هذه القوى السياسية (كانت تتصارع في ما بينها قبل وقت وجيز!) على اتهام التظاهرات بأنها «مؤامرة»، أو «فتنة» كما عبّر رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، في وقتها، بالتوافق مع آراء لرجال في المؤسستين السياسية والدينية الايرانيتين اتفقوا جميعاً على أن خروج الشباب العراقي عارياً إلا من أعلام عراقية فتنة تستهدف سلطة أحزاب الاسلام الشيعي في العراق.ـ كانت تظاهرات تشرين، بحدّ ذاتها، حدثاً شعبياً غير مسبوق، ارتقى، حسب معلّقين، إلى مستوى الثورة، وأنّها تعبّر عن شيئين في وقت واحد؛ دخول جيل جديد من الشباب إلى النشاط السياسي، وتبلور الحسّ الوطني العراقي، شيعياً وسنياً، وانتقاله إلى مستوى جديد، يحتاج إلى رافعة سياسية كي تحوّله إلى منجز على الأرض.ويحتاج هذا الحدث الثوري رافعة سياسية منظّمة، من داخل العملية السياسية، تركب موجة الغضب الشعبي وتحقق مصلحتها مع مصلحة الجمهور العام الراغب بالتغيير. وكان التيار الصدري مؤهلاً للقيام بدور الرافعة أكثر من غيره، بل ربما كان هو الرافعة الافتراضية الوحيدة في تلك الأجواء.ربما كان الصدر يعلم بالإمكانات الكبيرة لهذا الحراك الشعبي، أو يشعر بالتهديد، كما بقية الأحزاب السياسية، في كلّ الأحوال فضّل، بدلاً من أن يكون الرافعة السياسية المطلوبة، أن يستثمر الضغط الذي مثله الحراك الشعبي في طريقين: الأول، تحقيق مكاسب له، بإزاحة الحكومة واحلال حكومة تمتثل لارادة الصدر. والثاني، حماية النظام السياسي من تهديد الحراك التشريني، والتحوّل إلى عصا ضاربة لهذا النظام السياسي، وبدلاً من الإجهاز عليه، قام بانعاشه، وملاحقة الشباب التشريني، بل قتل بعضهم، كما حدث في ساحة الصدرين في النجف في فبراير 2020.وبعد كلّ هذه الدراما ما زال الصدر هو المستفيد الأكبر من نقمة الشارع العراقي تجاه النظام السياسي، لكنّ هذه الاستفادة لن تطول، فما زال هذا الشارع نفسه غير قادر على فرز الصدريين عن النظام السياسي، وعلى الصدر والصدريين بذل جهد أكبر لاستعادة ثقة الشارع الغاضب به، وأنه حليف مناسب للفعاليات السياسية والشعبية التي تسعى إلى إعادة هيكلة النظام السياسي في العراق، وأنّ عليه التعامل مع الناقمين بعدّهم شركاءً له وليسوا أتباعاً.

copy short url   نسخ
06/08/2022
5