+ A
A -
سعاد فهد المعجل كاتبة كويتية

لماذا تموت ابنتي وزوجتي؟ وما الذنب الذي اقترفته حتى أفقدهما؟ وما ذنبهما كي تموتا تحت قصف الكيان الصهيوني المجرم؟

أسئلة وجيهة وجهها أب مكلوم من قلب غزة، ومن قبله سأل عشرات الآلاف من الضحايا السؤال نفسه: ما ذنبهم؟ ولماذا يتم قتلهم وقتل أحبابهم في كل الحروب البشعة؟

ضحايا الحروب، كل الحروب، هم من ضمن «إستراتيجيات» الحرب العمياء، هم ضحايا جنون الآخرين وعنفهم ونفوذهم وسلطتهم وأموالهم، وهم كذلك ضحايا المتفرّجين، الذين يختزلون العذاب والموت والمعاناة في صور يشاهدونها ويتبادلونها عبر أجهزة الإعلام، فالصورة مهما بلغت دقتها، تبقى بلا صوت، ودرجة الألم مهما بلغ تصويرها، تبقى افتراضية وصراخها يبقى مكتوماً، بحيث يتراجع معها الألم الحقيقي إلى درجة لا تعبّر عنه ولا تليق أساساً بحجمه.

تكرار الحروب عبر التاريخ البشري يؤكد أن النسيان هو مصير كل حرب، تفاعَلَ الناس مع حرب العراق، ثم نسوها حين اشتعلت حرب سوريا، والتي بدورها أصبحت في طي النسيان، حين أُعلِنَت الحرب في اليمن، لتخرج هي الأخرى من دائرة الذاكرة مع تفجّر الحرب في السودان، والآن نسي الناس كل تلك الحروب مع اشتعال الحرب على غزة، وحدهم ضحايا الحروب من يبقون بذاكرة حديدية، فهؤلاء لم يعاصروا الحرب عبر أجهزة الإعلام، وإنما تنفّسوا كل يوم رائحة الموت والحرائق وسط منازلهم المدمرة وحياتهم المبعثرة بين قنابل من السماء ومدافع من الأرض.

الأطباء وأطقم الإغاثة والشاحنات، التي تسعى جاهدة لإدخال المعونات والمساعدات، يكررون دائماً، ووفقاً لمشاهداتهم المباشرة، أن الحروب والأزمات هي في النهاية من صنع الإنسان، ولابد أن يكون هنالك حل أو مخرج من الإنسان نفسه، لكن مثل هذا لا يحدث في غزة، ولا في رفح، حيث يموت الإنسان بيد الإنسان، ولا ملجأ ولا مغيث يلوح في الأفق.

طرح جيروم ديفيد سالينجر مثل هذا السؤال في روايته «الحارس في حقل الشوفان»، بلسان بطلها، وهو هولدن كولفيلد، مراهق في السادسة عشرة من عمره، حيث استلهم تمرّده في الرواية من معاناته في الحرب العالمية الثانية، فطرح من خلالها غضبه واستياءه ورفضه لمجتمع لم يعد يحس بالانتماء إليه، حتى لقد أصبحت روايته من أكثر الكتب الخاضعة للرقابة في المكتبات والمدارس بين عامي 1961 – 1982، بل إنّ البعض اعتبرها «مؤامرة شيوعية شاملة».

سؤال سالينجر، الذي طرحه من خلال روايته عن أسباب الاغتراب الاجتماعي لدى المراهقين والغضب، وفقدان البراءة في أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، يسأله الكثير من شباب اليوم، وبغضب شديد: على من تقع مسؤولية هؤلاء الذين يسقطون ضحايا للحروب، أطفالاً وشيوخاً ونساء، كان كل ذنبهم أنهم تواجدوا جغرافياً في حلبة حرب؟

حرب غزة ورفح اليوم تأتي ضمن هذه الصورة، فمهمة التوثيق ونقل الصورة لا تشمل سؤالاً حول الأسباب، التي أباحت هذا الطوفان من الدماء والعذاب والتهجير، الذي يصيب المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ، ولعل الإجابة الوحيدة التي يتم ترديدها وتكرارها أن الحروب دائماً لها ضحاياها من المدنيين والأبرياء، الذين يسقطون نتاج الحرب والمعارك.

صُنّاع الحروب وقادتها يرون في هؤلاء حوادث لا يمكن تجنّبها في الحروب وساحات المعارك، لكنهم ينسون أنهم يبقون أبناء وأحبة، نام بعضهم ليلاً في حضن أحبتهم، واستيقظوا تحت الأنقاض في اليوم التالي.

copy short url   نسخ
11/06/2024
10