+ A
A -
محمد حربي كاتب وصحفي مصري

يتعدد اللاعبون، وتتغيَّر العناوين أحيانا، وتبقى القضية الفلسطينية !. فمنذ أكثر من 76 عاما، والشعب الفلسطيني يتعرض لظلم تاريخي، على موائد اللئام، ويدفع فاتورة لم يستهلكها في مسألة اضطهاد أوروبا لليهود، وتضييق الخناق الأوروبي عليهم لدوافع عنصرية، واقتصادية وسياسية، خلال النصف الأول من القرن العشرين. وجاءت دعوة الرئيس شي جين بينغ- رئيس جمهورية الصين الشعبية، خلال الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون العربي- الصيني في بكين، بشأن عقد مؤتمر دولي للسلام، ذي مصداقية وفعالية، ويركز على إنهاء الحرب في قطاع غزة؛ لتؤكد على الرغبة الصينية، في صياغة خريطة طريق تحقق طموح الفلسطينيين، في إقامة دولتهم المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، بعد ضياع عقود من الزمن بالسير في طرق مفاوضات، ومبادرات سلام متعثرة. وقد حان الوقت من أجل وضع جدول زمني ملموس لتنفيذ «حل الدولتين».

وتاريخيا، فإن فكرة التقسيم للأراضي الفلسطينية؛ قد بدأت منذ اللجنة الملكية «لجنة بيل»- نسبة إلى إيرل بيل، وزير الدولة البريطاني لشؤون الهند سابقا، وعضو المجلس الخاص للمملكة المتحدة- ؛ التي شكلها التاج البريطاني في (عام 1937م.)، ثم لجنة سير جون وودهيد (عام 1938م.)، ومن بعدهما القرار الأممي، للجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 181 (عام 1947م. )، إلا أن كل أفكار التقسيم، التي طرحها الجانب البريطاني؛ قد ولدت ميتة!. وفي أعقاب حرب الأيام الستة لنكسة يونيو (عام 1967م.)، قدم المؤرخ والفيلسوف الأميركي- نعوم تشومسكي، رؤيته لتسوية الصراع العربي-الإسرائيلي في فلسطين، من خلال ما أطلق عليه «حل الدولتين»؛ والذي وجد قبولا داخل أروقة الأمم المتحدة، ولا سيما في مجلس الأمن الدولي؛ الذي أصدر القرار الأممي رقم 242، في 22 يناير (عام 1967م.)، كحل وسط؛ إلا أنه جاء غامضا بشأن تحديد «الأرض»، محل الانسحاب.

وعلى الرغم من اللغط، الذي أثاره القرار الأممي، فيما إذا كان الانسحاب، يكون من «أرضٍ» أو «الأراضي» الفلسطينية؛ إلا أنه وجد قبولا من القوى العالمية، وكذلك من الدول العربية والإسلامية. وفي المقابل أبدت الكثير من الأحزاب السياسية والجماعات اليمينية المتطرفة داخل إسرائيل، رفضها لفكرة «حل الدولتين»، إنكارا منها لأي محاولة للاعتراف بالحق الفلسطيني، داخل ما تسميه الصهيونية «أرض الميعاد». ولعل هذا يفسر حالة الإفراط في أعمال الإبادة المستمرة ضد الشعب الفلسطيني منذ السابع من شهر أكتوبر (عام 2023م.)، وسقوط أكثر من 110 آلاف ما بين شهيد وجريح، بخلاف المفقودين، وتدمير البنية التحتية. بل وصل الأمر إلى خروج أصوات من الجانب الصهيوني، تدعو لإبادة الفلسطينيين جميعا؛ حتى ولو تطلب ذلك إسقاط قنبلة ذرية على فلسطين، كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية مع اليابانيين في هيروشيما، وناغازاكي، خلال الحرب العالمية الثانية (عام 1945م.)؛ حتى تستسلم اليابان.

إن النهج الصهيوني، قائم على فكرة ترسّيخ الأمر الواقع، وتعمّيق الاحتلال الإسرائيلي، عبر المشروع الاستيطاني، وتقويض كل خطوة على طريق السلام، مما جعل مصير كل المفاوضات الفشل، وتنتهي جميعها من قبل أن تبدأ!. وقد ظلت إسرائيل إلى حد كبير، غير خاضعة لأيّ من معايير المحاسبة العالمية، بفعل مظلة الحماية، التي يوفرها لها «الفيتو» الأميركي. كما خلقت المستوطنات الإسرائيلية قناعة لدى الإسرائيليين، بأن تحقيق حل الدولتين أمر شبه مستحيل، مما يعني أنه قد لا تجد في إسرائيل، من يريد أن يرى دولة فلسطينية ذات سيادة!. وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى الدور الصيني، من أجل تحقيق التوازن، باعتبار أن الصين قوة لها ثقلها العالمي، وإحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ويمكن التعويل عليها كثيرا، في حشد المجتمع الدولي لمؤتمر سلام، يعيد الحق الفلسطيني.

ويعزز الرؤية الصينية في مسألة مساندة الحق الفلسطيني، تعهد الرئيس الصيني، بتقديم الصين دعما بقيمة 3 ملايين دولار لوكالة الأونروا لتوفير المساعدات لسكان قطاع غزة؛ وذلك بعد قرار إدارة ترامب، وقف التمويل الأميركي للأونروا -وكان يمثّل في السابق ثلث ميزانية الوكالة-. وهو استكمال لمواقف الصينيين التاريخية، لمناصرة القضية الفلسطينية، رفعت بكين مستوى مكتب منظمة التحرير الفلسطينية إلى سفارة في (عام 1975م.)، وفي الوقت نفسه التصوّيت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 في (عام 1975م.)؛ والذي كان يساوي بين الصهيونية والعنصرية. وعندما قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة في (عام 1991م.)، إلغاء القرار 3379، امتنع الصينيون عن التصويت.

هذه المواقف الصينية التاريخية في دعم ومساندة القضية الفلسطينية، تلقي بالكرة في ملعب الدول العربية والإسلامية، من أجل بناء علاقات شراكة قوية مع الصين، في ظل الإرث القديم من التبادلات الودية بين الجانبين في طريق الحرير القديم، والنضال المشترك من أجل نيل الاستقلال الوطني، وبما يضمن تحقيق السلام والاستقرار المستدام. وربما تكون البيئة العالمية مهيأة بشكل كبير للتعاطي مع أي طرح صيني – عربي إسلامي، يعيد الأمن الإقليمي والعالمي؛ وخاصة بعد أن تكشفت عورة النظام أحادي القطبية، والمأزق الذي خلفته عدوانية إسرائيل غير المسبوقة، والسقوط الأخلاقي لكل من وقف يدافع عن الصهيونية، رغم كل جرائم الإبادة بحق الفلسطينيين، والذين سقطوا من حسابات الضمير العالمي؛ حتى جاءت الرؤية الصينية، لتعطي بارقة أمل جديدة لحل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية، وعاصمتها القدس الشرقية.

copy short url   نسخ
10/06/2024
70