+ A
A -

إذا تتبعت سيرة حياة الناجحين، فستلاحظ سمةً مشتركة بينهم جميعاً رغم اختلافهم عن بعضهم البعض بالكثير من الصفات الأخرى؛ ألا وهي الانضباط الذاتي.

والانضباط يعني قدرة الإنسان على القيام بما عليه فعله، ضمن المدة الزمنية المحددة لفعل الشيء المطلوب، سواء أراد ذلك أم لم يرد. بمعنى آخر، هو القدرة على ضبط النفس من خلال التحكم بالنزوات والانفعالات والرغبات، والنأي بالذات عن الملهيات والمتع الآنية، بقصد السعي وراء أهداف طويلة المدى.

ويلعب الانضباط الذاتي دوراً مهماً في مسيرة كل ناجح. إذ إنه يمنح الشخص إحساساً بالرضا عن ذاته، ويعزز دافعيته لإنجاز المزيد، بل ويعد أهم أداة لتحقيق النجاح وبلوغ الأهداف. فمن دون الالتزام اليومي بما عقدت العزم عليه، لن تستطيع أبداً الوصول إلى حيث ترنو.

يلاحظ بكثرة أن معظم الناس يعانون من ضعف عادة الانضباط الذاتي لديهم، خصوصاً في أيامنا هذه، الأمر الذي ينعكس سلباً على حياتهم الشخصية والمهنية. وهنا يجب ذكر أمر مهم ألا وهو الاعتقاد الشائع بأن الالتزام والمواظبة محصوران في فئة قليلة من البشر يولدون هكذا. غير أن هذا الظن عار عن الصحة تماماً، إذ إن الانضباط الذاتي يمكن تنميته وتعزيزه من خلال التكرار والتدريب المستمر.

كل شيء يبدو صعباً في البداية، قبل أن يصبح سهلاً مع التكرار والمداومة عليه. لذلك قيل: «قليل مستمر، خير من كثير منقطع»، فخير الأمور أدومها. لأن الانتظام على فعل أمر مفيد، هو الذي يجلب إلى حياتك نتائج إيجابية كبيرة، حتى لو كنت تداوم على فعل أشياء بسيطة كل يوم.

فكما تبدو سياقة السيارة صعبة في بادئ الأمر، يصبح الأمر سهلاً وتلقائياً مع كثرة المران، حتى يأتي يوم تستطيع فيه القيادة من دون أن تفكر في الأمر حتى. لهذا السبب، ينبغي عليك أن تجبر نفسك على الانضباط في البداية، وألا تنتظر الحماسة أو تحاول استحضار إرادتك كل مرة. فالتعويل على الحماس والإرادة أثبت بطلانه من خلال تجارب عشرات النماذج من الأشخاص.

إن إرادة المرء ودافعيته للقيام بما عليه فعله، أشبه بأمواج البحر التي تتذبذب ما بين صعود وهبوط. لن تستطيع مهما فعلت أن تتمتع في كل وقت وساعة بإرادة جبارة ورغبة جامحة للجلوس والقيام بأعمال أغلب الظن أنها مملة مقارنة بالمتع الآنية التي تجتذب عقلك مثل المغناطيس، بحكم أن العقل البشري يميل إلى تفضيل الأشياء السهلة التي لا تتطلب جهداً يذكر.

لكن هذا لا يعني أن ما عليك القيام به سيظل مملاً وصعباً، بل إنك مع المداومة عليه، ستكتسب عادة الانضباط الذاتي، وسيصبح جلوسك للقراءة مدة ساعتين متواصلتين على سبيل المثال لا الحصر أمراً في غاية السهولة، بعدما كان في السابق أشبه بتسلق جبال الهملايا.

أما المثير في مسألة الانضباط الذاتي، فهو أن الشعور المتأتي من تعزيز هذه العادة، وما تجلبه إلى حياتك من خيرات، يساوي وزنه ذهباً. لا شك أن في الحياة مباهج ومتعاً تجتذبنا بقوة وتثير في دواخلنا الإحساس بالسعادة، لكن هذه السعادة مجرد وهم آني، مقارنة بتلك السعادة التي تتأتى من تحقيق هدف بعد جهد ووقت.

إن الإحساس بالرضا عن الذات لكونك استطعت الوصول إلى حيث تريد، بعدما تخليت عن الملهيات أياماً وأسابيعاً وحتى شهوراً وسنوات لا يعادله إحساس في العالم كله. لهذا، فالمتعة التي تتخلى عنها اليوم، ستكون اللبنة التي تبني عليها سعادة المستقبل.

تذكر دوماً أنك إن لم تضحِ بتلك الأشياء الصغيرة التي تجلب لك السرور في الوقت الراهن، فأنت حرفياً تضحي بأحلامك الكبيرة. تضحي بالحياة التي يمكن أن تعيشها، والتي لطالما حلمت بعيشها. فابدأ في تعزيز عادة الانضباط الذاتي في حياتك، وإذا وجدت صعوبة في البداية فاستمسك بالصبر، واصعد السلم تدريجياً إلى أن تصل إلى القمة.

copy short url   نسخ
01/04/2024
30