+ A
A -
محمد حربي كاتب وصحفي مصري

أخيراً، وعلى غير العادة، علا تصفيق حاد، داخل قاعة مجلس الأمن الدولي ابتهاجاً من مجموعة الدول العشر غير دائمة العضوية، وتضامن صيني - روسي؛ بصدور القرار رقم ( 2728) يوم 25 من شهر مارس الماضي، بعد ثلاث محاولات فشل سابقة. وجاءت المرة الرابعة، بإجماع كل الأصوات؛ ما عدا الولايات المتحدة الأميركية؛ التي امتنعت عن التصويت، ولم تستخدم «الفيتو»؛ ليصدر قرار، طال انتظاره لقرابة ستة أشهر منذ معركة «طوفان الأقصى»ارتكب خلالها جيش الاحتلال الإسرائيلي جرائم إبادة جماعية، راح ضحيتها أكثر من مائة ألف فلسطيني بين شهيد، وجريح، غير المفقودين، مع تدمير كامل للبنية التحتية. ويطالب القرار إسرائيل وحركة «حماس» بالوقف «الفوري» – لا «دائم» – لإطلاق النار في قطاع غزة خلال شهر رمضان، والإفراج عن المحتجزين، وإزالة كافة الحواجز التي تعرقل تدفق، ووصول المساعدات الإنسانية للمدنيين.

ولم يمض وقت طويل حتى خرج رئيس الحكومة اليميني المتطرف «نتانياهو» ليخرج لسانه للعالم !؛ ضارباً بقرار مجلس الأمن الدولي عرض الحائط، بمزيد من الغارات الجوية للجيش الإسرائيلي على مدينة رفح، وسقوط الكثير من الشهداء، والجرحى المدنيين؛ ليفسد على الفلسطينيين الأجواء الرمضانية الروحانية. وقد باتت مصداقية أميركا، والدول الغربية دائمة العضوية بمجلس الأمن الدولي على المحك؛ وعليها الآن أن تثبت للمجتمع الدولي، نواياها الحقيقية من تمرير القرار رقم (2728)، ومدى جديتها في وقف مسلسل نزيف دماء الأبرياء في غزة؛ وأن قبولها للقرار، لم يكن مجرد انحناء حتى تمر عاصفة غضب الضمير العالمي، المتباكي على سياسة العقاب الجماعي الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الإنسانية.

وأياً كانت النوايا الحقيقية لحلفاء إسرائيل، وأصحاب «الفيتو» داخل مجلس الأمن ؛ فإن الإنسانية تعيش خلال المرحلة الراهنة، حالة من القلقِ، والخوفِ على مستقبلِ الأمن والسلم الدوليين. وأن الاستقرار العالمي، لن يتحقق؛ طالما ظلت حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرفة، على غطرستها، ومتمسكة بمخططاتها الإجرامية؛ التي تتجاوز المعلن عنه في تصريحات «نتانياهو»، من خطة اقتحام رفح، بحثا عن يحيي السنوار قائد حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، والقضاء عليه – مع أن الجيش الإسرائيلي قام بتجريف غزة كلها منذ 7 أكتوبر وفشل في العثور على أحد من المختطفين الإسرائيليين -؛ بينما الهدف الحقيقي – غير المعلن – هو عملية تهجير للفلسطينيين – نكبة جديدة -، والإجهاز على ما تبقى من مظاهر الحياة في رفح؛ حتى ولو تم تدميرها عن بكرة أبيها، وتحويلها كبقية غزة إلى مدينة أشباح.

ويبدو أن العالم قد ضاق ذرعا، بـ«نتانياهو» المتعطش للدماء؛ الذي لا يسمع إلا صوته، ومتمسك بتنفيذ خطة اقتحام رفح، من أجل تحقيق نصر، غير موجود سوى في خياله وحده، ويرفض كل التحذيرات، وحتى نصائح الحلفاء. وقد شعر الجميع بالقلق، حتى الإدارة الأميركية، وحساباتها الخاصة، في ألا تُغضب الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الأميركي، الذي بدأت أصواته تتعالى رفضاً لعمليات التطهير العرقي التي ينفذها الاحتلال في قطاع غزة، أو عدم خسارة أصوات الجالية العربية والإسلامية، قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية المزمع عقدها يوم 5 نوفمبر المقبل. وأما أوروبا، فلا تريد أن تنتظر حتى ترى منطقة الشرق الأوسط وقد اشتعلت بالحروب، التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، بما فيها مصالح هذه الدول ذاتها. وهذا هو سر الإجماع على قرار مجلس الأمن الدولي.

وبين لاهاي، وقرار محكمة العدل الدولية، ونيويورك، وقرار مجلس الأمن الدولي، نحو شهرين تقريبا، كُشف أمام الجميع، زيف الرواية الصهيونية، التي ظلت تردد أن إسرائيل محصنة، وفوق المحاسبة، ليس هذا فحسب، بل وأنها غير مضطرة إلى الاختباء؛ عندما تتصرف كدولة خارجة عن القانون.

وبدأت القوى الإمبريالية الغربية، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، تكتشف أنانية «نتانياهو»، وتغليب مصلحة إسرائيل وتحقيق الحلم الصهيوني في إقامة الدولة اليهودية، وبأي ثمن، دون أدنى مراعاة لحسابات الغرب وأميركا. وترتب على ذلك تحولاً في المفهوم الغربي الأميركي للدور الإسرائيلي، بعد انحرافه عن مساره المرسوم له سلفاً، كمجرد شرطي للمنطقة، إلا أن تغليب الأجندة الصهيونية الخاصة، جعلته يصبح عبئاً ثقيلاً، ومثيرا للقلاقل، بشكل يعرض مصالح الأوروبيين والأميركيين للخطر، سواء على الصعيد الدبلوماسي، أو عن طريق المقاطعات الشعبية العربية والإسلامية لمنتجات الشركات، التي ترتبط رؤوس أموالها بأي علاقات مع الاحتلال الإسرائيلي.

والآن، فإن الفرصة كبيرة أمام الدبلوماسية العربية والإسلامية، من أجل استثمار حالة الغضب الشعبي العالمي ضد «الاحتلال الإسرائيلي»، وحكم «العدل الدولية»، وقرار مجلس الأمن الدولي، بدون «الفيتو» الأميركي، للتحرك لإقرار وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وتراجع «نتانياهو» عن تنفيذ مخططه في تهجير الفلسطينيين من أرضهم، بما في ذلك فكرة اقتحام مدينة رفح، مع انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة؛ ليتم بعد ذلك بحث عملية التسوية السياسية، وحل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. وهذا وحده ما يضمن الاستقرار في المنطقة، ويحقق الأمن والسلم الدوليين[email protected]

copy short url   نسخ
01/04/2024
5