اليوم الأول للقضية التي هزت المشاعر الإنسانية في العالم باستثناء السعودية:
جمال ‏?خاشقجي دخل وخرج من القنصلية..? وهو غير موجود فيها حاليا..
القنصل العام يصطحب وفد رويترز لتفتيش الأدراج والخزائن للتأكيد على عدم وجوده!
الكاميرات كانت معطلة
ولا نستبعد أن تكون قطر من قامت بهذه المؤامرة..
****
بعد ثلاثة أسابيع:
نعم للأسف كان هناك تفاوض من فريق أمني سعودي مع خاشقجي انتهى بشجار.. ثم مات!
لا نعرف مكان الجثة!!
ولا يوجد متعهد محلي ولم يتم التواصل معه..
****
بعد شهر ونصف:
فريق التفاوض بعد أن فشل في إقناع خاشقجي بالعودة إلى بلاده دخل معه في عراك ثم حقنه بجرعة مخدر زائدة أدت إلى وفاته وتم تقطيع الجثة ووضعها في صناديق ونقلها خارج القنصلية عبر متعهد محلي!!

تخيلوا أن هذه الرواية المتناقضة في مشاهدها والساذجة في تبريراتها والساقطة في أخلاقياتها تصدر من جهات رسمية عليا، بداية من ولي العهد، ومرورا بشقيقه (ولدي خالد سفير عندكم) كما قالها الملك لوزير الخارجية الأميركي.. ونهاية بالوزير الجبير، الغلبان، المغلوب على أمره، الذي أصبح مثاراً للسخرية في الإعلام الغربي، نتيجة تصريحاته المتناقضة، وهو ناطق رسمي باسم المملكة العظمى كما يسميها ذباب دليم في تويتر.. لنصل للنائب العام السعودي الذي ذهب يبحث عن الحقيقة في اسطنبول وعاد بعلب الحلوى والحلقوم..!
هذا الأسلوب الوحشي و«الداعشي» يلصق تهمة الإرهاب في من حاول نسفها على الآخرين.. ويثبت للعالم أنه مازال يسري في دمائهم سواء كانوا مسؤولين أو مستشارين أو أمنيين.. وحتى المفكرين والإعلاميين والنشطاء.. فهناك من خطط وهناك من نفّذ وآخرون حملوا الطبلة للتشويش والتبرير والدفاع المستميت عبر إيهام الشعب أن هذه مؤامرة على بلدهم يراد بها زعزعة أمنهم.. واكتشفوا أخيرا
إن البلاء والعلة في «بطنهم» ومن داخل وطنهم!
منذ بداية القضية والسلطات التركية تركز في التحقيق، والجزيرة تبث الحقائق، فيما أبواق السعودية يتهكمون على الأخبار ويستخفون بها ويشبهونها بالأفلام وأضغاث أحلام.. ولكن لا يجرؤ أحد منهم اليوم على الاعتذار أو الانتقاد، فهم لا يتمتعون بمصداقية ولا حتى مشاعر إنسانية ومنهم على سبيل العار والخجل تركي الحمد وتركي الدخيل وكساب العتيبي وجميل الذيابي والشريدة وغيرهم من المتورطين في الاستذكاء والاستنكار بأنه لا يمكن أن يقوم بهذا العمل إلا مجرم أو عدو أو غبي.. وبعد تحليلاتهم المذهلة وقعوا في فخ شتيمة مملكتهم وسياساتها البلطجية والإرهابية!
تتساقط الأوراق.. التي حاولت الرياض، إخفاء عورة جريمتها بها.. ورقة تلو الأخرى. وتتوالى الاعترافات والروايات، التي لم تفعل إلا تأكيد المؤكد، والاذعان والخضوع لصحة ما سمعه العالم كله من قبل، سواء عبر تسريبات إعلامية، أو بيانات رسمية، لطالما شككت فيها، وربما سخر منها بمنتهى التبجح وقلة الحياء، إعلاميوها وأذنابهم في مركز قيادتها وتوابعها على السواء.
بينما يبقى الثابت الوحيد في الروايات السعودية المتناقضة والمتوترة، ارتباك وزير خارجيتها وأجهزة إعلامها، والعمل على إخفاء اسم الرأس الكبير والعقل المدبر، وصاحب الأمر بارتكاب الجريمة البشعة، وهو نفسه الذي زفوا اليه مرتكبو الجريمة نبأ انجازهم لمهتهم الإجرامية «القذرة»، فور انتهائهم منها من داخل «مقصب» القنصلية السعودية في اسطنبول.. «المهمة تمت بنجاح»!
شعور يمزج بين الوجع والدهشة والحنق، ذلك الذي تملكني وأنا أستمع إلى بيان النيابة العامة السعودية بالأمس. الوجع على ما حدث للفقيد الراحل صاحب القلم الحر والوطنية الصادقة، جمال خاشقجي، دون أن يقترف ذنبا أو يرتكب إثما يستحق عليه الاغتيال الفظيع والتقطيع، فقط قال كلمة صادقة، وقدم نصيحة مخلصة، من أجل صالح وخير وطنه وأمته.
وجع من هؤلاء الذين تجردوا من كل صفات الإنسانية، والقيم الأخلاقية، والثوابت الدينية، فكذبوا ولفقوا وهونوا وسخروا، من الجريمة والضحية.
فعندما يعترف بيان النيابة السعودية، بأن جثة الراحل النبيل، تم تقطيعها، فإن السؤال الذي يقفز إلى رأس أي عاقل ويجري على لسانه فورا.. ما الجديد؟.. أليس هذا ما أعلنته أنقرة من قبل ورددته وسائل الإعلام المحترمة والمحترفة ذات المصداقية والمهنية، وفي مقدمتها الجزيرة؟ التي اثبتت الايام والاحداث انها لسان صدق وشاهد حق، ووسيلة إعلام الشعوب العربية، لا تخشى في الحق لومة لائم.
فالبيان - الخالي من التبيان – لم يفعل اكثر من ترديد ما قالته الجزيرة، قبل اسابيع. ولعل هذا يوضح الفرق بين الاعلام الحر، الذي ينقل الحقيقة في وقتها، وبين من يخفيها أو يتجاهلها انتظارا للتعليمات، أو يحاول الالتفاف عليها، ولا يذعن لها إلا مضطرا وخاضعاً وخانعاً.
أما استخدام بيان النيابة السعودية لتعبير «تجزئة» بدلا عن تقطيع.. ظنا بأنها أهون على النفس، وتخفيفا من وطأة الجريمة الارهابية الداعشية، فإن ذلك ليس الا مزيدا من الاستهانة بالجريمة، وهو مسلك دأبت الرياض ومدعوها وذبابها على سلوكه دوما، واشتد منذ الثاني من أكتوبر الماضي.
وقد تغافل البيان عن ذكر اسم سعود القحطاني وزير الذباب الإلكتروني واكتفت النيابة السعودية بـعبارة «المستشار السابق» ربما لأسباب قضائية، علماً أن الجميع يعرف أنه الوزير الذي لا يقدح من رأسه بل منفذ أمين لتعليمات الملك وولي العهد، كما اعترف بذلك في تغريدة شهيرة، لتصبح عليه دليل إثبات يصعب التملص منه، إضافة إلى أن العقل والمنطق لا يمكن أن يقبلا أن يقدم المستشار السابق وفريقه على هذه الخطوة الكبرى دون إذن!
بالطبع لم أكن أتوقع أن يأتي بيان النيابة السعودية بجديد، لكنني بالتأكيد كنت أتمنى، أن تتخلى الرياض عن طريقتها، وأن يتحلى بيان نيابتها، ببعض المنطق، وقليل من احترام العقول، التي ستستمع إليه.
فهل يعقل أن يتشكل فريق أمني مكون من ثلاث مجموعات من أجل التفاوض؟! ثم هل يملك هذا الفريق صلاحيات تجهيز طائرات ملكية خاصة وتكليف موظفين من قطاعات أخرى واقتحام القنصلية لتنفيذ عملية خطيرة وغير مسبوقة دون علم المسؤولين الكبار في بلاده؟!
من الأسئلة المهمة أيضا: كيف سافر هذا الفريق حاملا معه أدوات قتل، وأجهزة طمس أدلة، وطبيب تشريح.. كل ذلك من أجل مفاوضات؟! فهل كان دورهم إقناع الرأي الآخر أم اغتياله «من الآخر»..!
لا جدال في أن أمر القتل كان معهم منذ وصولهم اسطنبول - وإن لم يكن الخيار الأول - واستعدوا له جيدا ونفذوه بغباء!
وهنا لابد ان يقفز سؤال مهم، هل هذا من أعمال الدولة؟.. أما الإجابة فننقلها عن المفكر السعودي تركي الحمد.. «هذه مافيا تحكم دولة»!
أما قول بيان النيابة «إنه قدم المتهمون رسما تشبيهيا للمتعهد المحلي الذي سلموا له جثة خاشقجي لدفنها».. فهذا مشهد جديد من العبط والضحك على الذقون!
فهل من المعقول أن يقدم المتهمون رسما تشبيهيا للرجل دون ان يعرفوا شخصيته أو مكانه أو هاتفه؟ وإذا أغلقنا – نحن والعالم - عقولنا وليس عيوننا فقط، وافترضنا أن رئيس وفد التفاوض أصدر أمراً متعجلاً بقتل خاشقجي، كما جاء في البيان، فكيف وجد هذا المتعاون المحلي الذي تحمل مخاطرة إخفاء الجثة بهذه السرعة؟ ام أن القنصلية السعودية متعاونة مع خارجين على القانون داخل أراضي الدولة المضيفة؟!
إنني أتفق تماما مع المصدر التركي الذي قال لـ «الجزيرة»، انه لولا امتلاك انقرة لتسجيلات، لما أقرت الرياض بالجريمة، وهو كلام صحيح، وتشخيص دقيق، مع تعديل أراه واجبا، أن الرياض لم تعترف، وإنما أذعنت للأدلة الدامغة التي تمتلكها تركيا (والتي يبدو أنها لم تنفد بعد)، ولم تجد بدا ولا مفرا من الإقرار بالجريمة، مع مواصلة تزييف التفاصيل، وسوق الأكاذيب.. ربما انتظارا لتسريب دليل جديد، لتتبدل الرواية.
إن تركيا كما قال وزير خارجيتها السيد مولود غاويش أوغلو، ستعمل كل ما يجب وستتعاون مع المجتمع الدولي لكشف ملابسات الجريمة، كما أؤيد إجراء تحقيق دولي في القضية.
آخر نقطة..
عادل الجبير أطل علينا عبر مؤتمر صحفي توقعنا أن يعلن فيه استقالته على الهواء مباشرة، بعد إعلان بلاده هذه الجريمة المروعة باغتيال مواطن مسالم وتقطيع جثته بطريقة لم تخطر بعد على فكر الدواعش وفي قنصلية ومقر دبلوماسي تابع لوزارته، إلا أنه ظهر يشرح ويحلل ويرد ويفاخر بالقضاء السعودي ولم يخلُ حديثه من الارتباك كالعادة، فأشار إلى قناة الجزيرة بالاسم وأكمل (وباقي القنوات) كانت تبث التقارير عن القضية، ليضيف اعترافا سعوديا آخر في يوم الاعترافات أنه متابع للقضية من خلال قناة الجزيرة.. فهي كان تبث أحداث القضية (مباشر) فيما قناته (العربية) كان دورها محصوراً في بث (الإعادة)..!!
الوزير «بتشوف»، المتردد المتلعثم.. اليوم أمامك فرصة لإثبات وجود آخر قطرة من الحياء وماء الوجه وهي (الاستقالة)، فالجريمة المأساوية والكارثية وقعت في مقر دبلوماسي تابع لوزارتك.. وإن لم تستح «تستقل» فافعل ما شئت..!
بقلم: محمد حمد المري
رئيس التحرير المسؤول