+ A
A -
جريدة الوطن

قدّر لجيلنا -جيل الثمانينيات من القرن الماضي- أن تداهمه الأحداث وتتوالى عليه الوقائع الكبرى. كانت البداية حرب أكتوبر/‏ تشرين الأول 1973، وقد كنّا في المرحلة الابتدائية. لم نكمل عشر سنين، وقتها احتفظنا بصحف هذه الفترة حتى اصفرّت، ومعها بقايا الطائرات الإسرائيلية التي أسقطت.

تفاعلنا مع حيوية المجال العام العربي -أخذًا وعطاء- في الثمانينيات والتسعينيات والذي امتدّ حتى العقد الأول من الألفية الجديدة لنعيش انتفاضات الربيع العربي بموجتَيه. في هذه العقود الممتدة اندلعت حربا الخليج الأولى والثانية، والانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، وشهدنا انهيار الاتحاد السوفياتي 1990، وهيمنة الولايات المتحدة منفردة على النظام العالمي، و11 سبتمبر/‏ أيلول 2001 التي دشنت حقبة «الحرب على الإرهاب» التي امتدت لعقدَين حتى كان الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وفيها كان غزو العراق 2003، وأخيرًا وليس آخِرًا؛ «طوفان الأقصى» 2023.

كانت هذه الأحداث -في مجملها جميعًا- تعلن نهاية لطريقة تفكير ومناهج نظر سادت لعقود، مخلية لجديد أخذ يتبلور وتتضح معالمه بالتدريج. اعتنيت كثيرًا بالغوص وراء ما تثيره هذه الأحداث والوقائع من تأثير على أنماط التفكير وطرق الفهم، وقد كانت كلها من طبيعة مفصلية وفارقة.

تستند مناهج النظر المعاصرة إلى أسس عدة منها:

أولًا: انتفاء اليقين المعرفي، حيث الظواهرُ معقدة ومركبة ومترابطة بما يمكن معه لعامل أو فاعل صغير أو حدث بعيد أن يحدث تأثيرات ممتدة وعميقة ومؤثرة في مجمل العالم، وقد يتغير به مجمل النظام أو يحدِث نقلات نوعية فيه.

«طوفان الأقصى» من هذه النوعية من الأحداث التي ستحدث تأثيرات ممتدة في الإقليم وفي العالم، وبالطبع في القضية الفلسطينية والكيان الصهيوني. لا يبدو للحرب على الفلسطينيين سياقٌ واحد، بل سياقات متعددة. قد تبدو منفصلة في أحيان، لكنها متقاطعة ومتشابكة، وهو ما يزيدها تعقيدًا.

الحديث عن المستقبل معقد ويتسم بعدم اليقين، حيث يتداخل كثير من العوامل، مثل: التغير المناخي، والتطورات التكنولوجية، والأوضاع الاقتصادية، ويفاجئنا كثير من الحوادث كجائحة كورونا والحرب الأوكرانية وطوفان الأقصى … إلخ.

هيكل النظام الدولي لم يستقر بعد، وأظنه يتجه إلى التفتت والفوضى. يشهد تنافسًا بين الولايات المتحدة والصين، ولكنه لا يشبه -نتيجة التداخل والمصالح المشتركة- بحال الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والغرب.

ويشهد -أيضًا- بروز قوى جديدة على المسرح كالهند التي لم تعد بحكم تصاعد القومية الهندوسية تنتمي إلى الجنوب، ويعاد التفكير في العولمة من خلال إعادة هيكلة سلاسل التوريد، كما تتصاعد الهويات المتلبسة بالقومية المتطرفة واليمين الشعبوي المتطرف، ويصاحب ذلك كلَّه تغيرٌ في وظائف الدولة وأدوارها وهياكلها، وتوزعٌ في السيادة فيها بين ناعمةٍ وصلبةٍ، وفاعلين جددٍ بجوارها وخصمًا منها، وقد يحلون محلها ويقومون ببعض وظائفها، وتحولٌ في هياكل الاقتصاد وطبيعته وخرائط المؤثرين فيه … إلخ.

كل هذه العوامل وغيرها؛ أنتجت بنى غير مركزية، وبات يسيطر عليها منطق الشبكية لا الهياكل المستقرة، وتتوزع قواها وأشكالها بين مركز تدور حوله وبين لامركزية تصل إلى التفسيخ والتشظّي.

الطوفان كما قضى على نظرية الردع الإسرائيلية والتفوق التكنولوجي للكيان الصهيوني؛ فإنه في نفس الوقت أنهى المفاهيم الكلية الشاملة الاختزالية، مثل: مفهوم الغرب، واليهود، والجنوب والعرب

في الطوفان؛ نحن بصدد معركة كبرى بين هياكل مستقرة مركزية -كما في الجيش الإسرائيلي والجيوش الغربية- وبين هياكل لا مركزية تعمل متصلة ومنفصلة ومتمايزة عن بعضها بعضًا داخل فلسطين وخارجها.

في فلسطين تتعدد قوى المقاومة، كما يعمل التنظيم المسلح لكل فصيل بطريقة لامركزية. تجمعهم أطر تنسيقية وإستراتيجيات كلية، ولكن كل فصيل أو مجموعة داخله تتحرك وفق ما تمليه عليها مقتضيات الواقع. بهذا يجب فهم التباين في حماس بين السياسة وبين السلاح.

وفق هذا المنطق؛ سنكون بإزاء تعدديات تصل إلى السيولة، وتغير دائم في الوظائف والأدوار تنتفي معه الثنائيات المتعارضة من قبيل تدخل الدولة وانسحابها في الاقتصاد، أو تمايز بين البنى العلمانية وتلك الدينية، أو بين التقليدي والحديث، أو بين القديم والجديد، وفي حالتنا بين الكفاح المسلح والنضال السلمي …إلخ.

الطوفان كما قضى على نظرية الردع الإسرائيلية والتفوق التكنولوجي للكيان الصهيوني؛ فإنه في نفس الوقت أنهى المفاهيم الكلية الشاملة الاختزالية، مثل: مفهوم الغرب، واليهود، والجنوب.

اندلعت المظاهرات في الغرب تضامنًا مع الفلسطينيين، وضمت أطرافًا متعددة هي من صلب الغرب. كان أحد مكوناتها الأساسية الشباب اليهودي غير المتصهين، أما الجنوب فقد تباينت مواقفه من الطوفان؛ إذ قادت جنوب أفريقيا جزءًا منه في مواجهة الإبادة الجماعية في محكمة لاهاي، في حين تخلت الهند/‏ مودي ذات الطبعة الهندوسية القومية المتطرفة عن ميراثها التاريخي في مساندة القضية الفلسطينية.

في الزمن المعاصر لا يمكن الصدور عن المفاهيم الكلية الشاملة؛ بل من الضروري رسم الخرائط التفصيلية وبيان المواقف المتعددة. بدون ذلك لا يمكن للتفسير، أو التحليل، أو بناء الموقف السياسي، أو الفكري أن يكون له معنى. التعامل بالمنطق الكلي الشامل يغطي على الظواهر؛ أي يخفيها ولا يسمح باكتشافها.هشام جعفر

صحفي وباحثالجزيرة نت

copy short url   نسخ
09/02/2024
50