+ A
A -

مائة يوم مرت على العدوان الإسرائيلي المدمر على قطاع غزة، حصيلته المبدئية حتى الآن 1.993 مجزرة، راح ضحيتها قرابة الـ24 ألف شهيد، وأكثر من 60 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء.

المائة يوم الماضية كانت بمثابة مائة عام لسكان غزة، فقد تعرض الفلسطينيون لأكبر تهجير منذ عام 1948 بسبب القصف، وسيحمل سكان غزة، بمن في ذلك الأطفال، الجروح الجسدية والنفسية الناجمة عن الهجمات مدى الحياة، ولأجيال عديدة قادمة.. فلا مفر ولا مهرب لهم.. وكما قالت إحدى السيدات الفلسطينيات في تقرير تليفزيوني «نهرب من الموت إلى الموت».

غزة شهدت خلال الـ 100 يوم الماضية، موتا جماعيا ودمارا وتشريدا وجوعا وخسارة وحزنا.. فجسامة الموت والدمار والتهجير والجوع والخسارة والحزن في الأيام المائة الماضية تلطخ العالم أجمع.. دون استثناء.

ومع استمرار الحرب، انعدمت مقومات الحياة والصحة في قطاع غزة، في ظل ارتفاع أعداد النازحين ومواصلة إغلاق المعابر وقطع إمدادات المياه والكهرباء والوقود.

ومنذ بدء الحرب، شهد قطاع غزة 3 موجات مركزة من النزوح؛ الأولى من مدن شمالي القطاع ومحافظة غزة إلى الجنوب، والثانية من شرق مدينة خان يونس إلى غربها ومدينة رفح (أقصى الجنوب)، والثالثة من المحافظة الوسطى باتجاه مدينة رفح، وتتركز أعداد كبيرة من النازحين في مدينة رفح.

وتسبب نقص الوقود في تراجع عمل البلديات في جمع النفايات ومعالجة مياه الصرف الصحي، ما يتسبب بانتشار الأمراض والأوبئة بين السكان والنازحين، خاصة الأطفال.

إلى جانب ذلك، فإن شح توفر المياه الآمنة للشرب أو اللازمة للنظافة يجعل النازحين والسكان غير قادرين على الحفاظ على النظافة اللازمة للوقاية من الأمراض، كما حذرت مؤسسات حقوقية دولية من المجاعة في القطاع، وسط ندرة المواد الغذائية المتوفرة.

يأتي هذا التدهور المرعب، في وقت سجل فيه القطاع مئات آلاف الإصابات بأمراض معدية، لا تجد الرعاية الطبية اللازمة، ولا الأدوية من المستشفيات القليلة العاملة، حيث تركز منذ بدء الحرب على استقبال الجرحى والقتلى، كما يعاني القطاع من شح في توفر الأدوية والمستلزمات الطبية داخل الصيدليات والمراكز الصحية العاملة، بسبب إغلاق المعابر.

وتزيد موجة البرد والأمطار التي تهطل في كامل قطاع غزة من صعوبة الحياة اليومية للعائلات، مع الأخذ في الاعتبار أن 1.9 مليون شخص أو نحو 85 بالمائة من السكان، اضطروا إلى مغادرة منازلهم.

وقد غرقت العشرات من مراكز الإيواء التي تؤوي عشرات الآلاف من الفلسطينيين في المناطق الشمالية والجنوبية من قطاع غزة، بعد أن دخلت مياه الأمطار المختلطة مع مياه الصرف الصحي إلى الغرف الصفية، والخيام، ومنازل المواطنين.

ويعاني المواطنون، خاصة النازحين، أوضاعا صعبة في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل لليوم الـ100 على التوالي، إضافة إلى المنخفض الجوي الذي يضرب فلسطين.

ويلجأ كثيرون إلى رفح أو إلى مناطق أخرى في جنوب هذه المنطقة الصغيرة، بينما تكرر وزارة الصحة المحلية أنها لا تملك بنية تحتية لاستيعابهم.

وتواصل إسرائيل، منذ 7 أكتوبر، إغلاق المعابر الواصلة بين غزة والعالم الخارجي، فيما يتم فتح معبر رفح بشكل جزئي لدخول مساعدات محدودة، وخروج عشرات المرضى والمصابين وعدد من حاملي الجوازات الأجنبية.

وتتزايد المخاوف من اشتعال المنطقة بعد ضربات جديدة ضد الحوثيين الذين يضاعفون هجماتهم في البحر الأحمر ضد السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل، تضامنا مع الفلسطينيين.

وسمحت إسرائيل، في 24 نوفمبر 2023، بدخول كميات شحيحة من المساعدات الإنسانية إلى القطاع عبر معبر رفح، ضمن هدنة استمرت أسبوعا بين الفصائل بغزة وإسرائيل، تم التوصل إليها بوساطة قطرية - مصرية - أميركية، تخللتها صفقة تبادل أسرى.

وعلى الحدود مع لبنان، يتواصل تبادل إطلاق النار بشكل شبه يومي منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وتم إجلاء عشرات الآلاف من السكان من المنطقة الواقعة على جانبي هذه الحدود في بداية النزاع.

قطر، التي بات دورها الدبلوماسي نموذجا لحل القضايا والأمور العالمية المستعصية، لعبت دورا مهما خلال المائة يوم الماضية، فقد بلغ مجموع طائرات المساعدات إلى غزة حتى الآن 61 طائرة، بإجمالي حمولة بلغ 1897 طنا من المساعدات، تضمنت مواد غذائية ومستلزمات إيواء، وهو ما يأتي في إطار مساندة دولة قطر للشعب الفلسطيني الشقيق، ودعمها الكامل له خلال الظروف الإنسانية الصعبة التي يتعرض لها حاليا.

وأدانت قطر استمرار العدوان الإسرائيلي ووقوع عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى تهجير قرابة مليوني إنسان قسريا، وحرمان المدنيين من وسائل الحياة، واستهداف الأعيان المدنية وقتل الصحفيين، وكذلك استهداف المنشآت الدولية، ومقر اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة، في خرق صارخ للقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة.

وقد أكدت دولة قطر، في أكثر من محفل دولي وعربي وإقليمي، على استمرار جهودها الدبلوماسية لتجديد الهدنة، والأمل بأن يتم البناء على ما تحقق حتى الآن لإنجاز اتفاق شامل ومستدام، ينهي الحرب ويوقف سفك دماء أشقائنا الفلسطينيين، ويقود إلى محادثات جادة، وإطلاق عملية سياسية تفضي إلى سلام شامل ودائم وعادل، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية، على أساس مبدأ حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحصول الشعب الفلسطيني على جميع حقوقه.

الجهود الدبلوماسية الحثيثة لدولة قطر أثمرت اتفاقا تم بموجبه تطبيق هدنة إنسانية لمدة أربعة أيام، وتم الاتفاق لاحقا على تمديدها وصولا إلى سبعة أيام، وتم إخلاء سبيل أكثر من 100 من الأسرى من النساء والأطفال المحتجزين في قطاع غزة، ومئات النساء والأطفال الفلسطينيين المعتقلين في السجون الإسرائيلية، كما سمحت الهدنة بدخول المزيد من المساعدات الإغاثية التي تشتد الحاجة إليها في قطاع غزة.

تأكيدات دولة قطر حاضرة أيضا في كافة التصريحات والمناسبات التي يشارك فيها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، وأيضا خلال المباحثات التي يجريها سموه مباشرة أو من خلال الاتصالات الهاتفية، فقد أكد سموه، في تعليقه على استضافة الدوحة للقمة الخليجية الـ44، عبر موقع التواصل الاجتماعي «إكس»، أنه بحث مع إخوانه قادة مجلس التعاون الخليجي العدوان الإسرائيلي على غزة ومآلاته في ظل تقاعس المجتمع الدولي، وقال «نتمسك بدعم الشعب الفلسطيني الشقيق في إقامة دولته المستقلة».

الاهتمام القطري بالقضية الفلسطينية لم يغب عن أولويات دولة قطر، حتى في الاحتفالات، والذي تحدث عنه العالم خلال افتتاح كأس آسيا لكرة القدم 2023، في استاد لوسيل يوم الجمعة الماضي، وسط احتفاء كبير بدولة فلسطين ومنتخبها، الذي يُشارك في البطولة في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ أكثر من ثلاثة أشهر.

وفي بادرة، هي الأولى من نوعها في تاريخ البطولة، أهدى قائد منتخب قطر حسن الهيدوس شرف إلقاء القسم لقائد المنتخب الفلسطيني مصعب البطاط من على أرض الملعب، على عكس العرف الذي يقضي بأن يؤدي كابتن منتخب الدولة المستضيفة قسم البطولة.

والأحد الماضي، قال معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، إن مفاوضات وقف إطلاق النار بغزة جارية، وتمر بتحديات، ومقتل أحد كبار قادة حركة حماس الفلسطينية (صالح العاروري) يمكن أن يؤثر عليها، لكننا نستمر في النقاشات مع كافة الأطراف للتوصل لاتفاق في أقرب وقت ممكن.

وترعى قطر جهودا للتوصل إلى هدنة مؤقتة ثانية في غزة، حيث تم التوصل للهدنة الأولى في نوفمبر الماضي، وأسفرت عن إطلاق سراح 105 محتجزين لدى حماس، بينهم 81 إسرائيليا، و23 مواطنا تايلانديا، وفلبيني واحد، و240 أسيرا فلسطينيا.

والموقف القطري تجاه الحرب على غزة واضح، ويستند إلى أنه لا بديل عن إيقاف هذه الحرب فورا، وتجنيب المدنيين تبعات القتال، وينصب تركيز قطر حاليا على دفع جميع الأطراف إلى إيقاف الحرب وحقن الدماء وحماية المدنيين والأعيان المدنية، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة كافة، دون عوائق.

وأكدت قطر، خلال الأيام القليلة الماضية، أن دورها مستمر في الوساطة التي تهدف لإنهاء الحرب، والتي بدأت بتبادل الأسرى والسجناء، وأيضا تأكيدها على عدم القبول أو السماح بتهجير آخر للشعب الفلسطيني، الذي عانى على مدى عقود طويلة من أكثر من تهجير، ولا يوجد ما يشرعن لمثل هذا التهجير في أي قانون من القوانين الدولية.

المفاوضات والاتصالات القطرية مستمرة مع جميع الأطراف، ولم ولن تتراجع عن تبادل الأفكار، ولن تتوقف أو تتنازل عن دورها كوسيط في هذه الأزمة، رغم التحديات الموجودة على الأرض، والتي تسبب مشاكل كبيرة.

وأخيرا..

مازالت هناك فرصة لتجنيب المنطقة ويلات حرب إقليمية شاملة بإنهاء هذا العدوان ومعالجة القضايا العالقة، فالباب موارب أمام هذه الفرصة، ولا شك أن ما يجري في القطاع لن تكون نتيجته إلا توسع هذه الأزمة إقليميا.

دولة قطر أكدت مرارا وتكرارا على لسان جميع مسؤوليها منذ اليوم الأول للحرب أنها تعمل على عدم توسع هذه الحرب إقليميا، وأنها على اتصال مع جميع الأطراف والشركاء الإقليميين، لضمان ألا تكون هناك ارتدادات إقليمية، لكن الحادث حاليا يثير القلق بأن هذه الارتدادات بدأت في المنطقة، وسبب هذه الارتدادات الإقليمية هو الحرب العبثية على غزة، ومتى توقفت هذه الحرب فإن الجهود الدبلوماسية ستؤدي تدريجيا إلى انتهاء حالة التصعيد بشكل عام، دون النظر لمن يقوم بهذا التصعيد.

أضف إلى ذلك اتفاق الأطراف الإقليمية على أنه لا خيار إلا إنهاء الحرب، وأن أي عملية تقود إلى سلام شامل في المنطقة ستكون محط ترحيب من الجميع، وهذا هو الموقف المشترك الذي عبرت عنه القمة العربية الإسلامية واجتماعات المنظمات الإقليمية المختلفة، والاجتماعات الثنائية بين قادة المنطقة ومسؤوليها.

فهل آن الأوان لأن يتم تطبيق القانون الإنساني الدولي بدون تمييز وبدون ازدواجية في المعايير بعد مائة يوم من حرب الإبادة الجماعية؟!

محمد حجي - رئيس التحرير المسؤول

[email protected]

copy short url   نسخ
15/01/2024
660