كتاب وأراء

القمة التي سرقت منها الكوريتان الأضواء

في الوقت الذي كان فيه العالم منشغلا بالقمة التاريخية بين زعيمي الكوريتين، كانت هناك قمة آسيوية أخرى تنعقد في «ووهان» الصينية بين الزعيم الصيني «جينبينغ» ونظيره الهندي «مودي»، بشكل غير رسمي وبصورة حميمية تمثلت في شربهما الشاي الصيني الأخضر ثم تنزههما معا حول دار الضيافة، قبل أن يستقلا قاربا نهريا بمفردهما.
صحيح أن القمة الأخيرة لم تكن في أهمية القمة الأولى لأن الهند والصين رغم خلافاتهما الحدودية المعروفة وتنازعهما السيادة على أكثر من منطقة وتنافسهما الاقتصادي والعسكري المحموم، لم تكونا على شفا حرب مدمرة.
لكن الصحيح أيضا هو أن تخفيف التوتر بين الهند والصين من خلال بناء العلاقات الشخصية بين زعيمي البلدين من شأنه خلق التفاؤل والأمل لدى شعبيهما حول السلام في آسيا والعالم بأسره.
ومن المعروف أن «مودي» من أشد المعجبين بالنموذج الاقتصادي الصيني منذ أن كان زعيما لولاية غوجرات، بدليل أن أول زيارة خارجية له بعد تسلمه السطة كانت للصين، حيث قيل وقتها إن الرجل ذهب إلى هناك للاطلاع على التجربة التنموية الصينية.
ويبدو مودي اليوم متحمسا للاستفادة قبل غيره من الوعود التي أطلقها نظيره الصيني في يناير المنصرم حول عزمه إجراء «انفتاح مدهش» هذا العام شاملا فتح قطاعات البنوك والسندات والتأمين وإزالة القيود على الاستثمار الأجنبي كليا وذلك ضمن خططه المدافعة عن العولمة.
المعروف أن العلاقات الهندية - الصينية مرت هذا العام بمنعطفات سلبية عدة. فنيودلهي واصلت معارضتها لمشروع طريق الحرير االذي تسعى الصين من ورائه للبروز القوي على الساحة الدولية، بينما تكمن المعارضة الهندية له في مرور فرع منه في أراضي كشمير الباكستانية المتنازع عليها. ونيودلهي من جهة ثانية انخرطت في مشروع مضاد لكبح جماح التطلعات الصينية في المحيط الهندي بالتعاون مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا. وهي من جهة ثالثة مزعجة من الحمى الصينية بإنشاء قواعد عسكرية لها في دول تعتبرها الهند ضمن مناطق نفوذها الاستراتيجي مثل سريلانكا وبورما وذلك من خلال تكثيف القروض لتلك الدول ومدها بالأسلحة والتقنيات الصينية حتى إذا عجزت عن سداد ما عليها من ديون فرضت عليها البديل وهو منحها قواعد عسكرية. وقد كان آخر ضحايا هذه السياسة الصينية هما: جزر المالديف الحليفة الاستراتيجية التقليدية للهند وشريكتها في منظمة سارك، ثم جمهورية سيشيل التي رفضت مؤخرا خططا لإنشاء قواعد عسكرية هندية على أراضيها من بعد أن كانت قد أعطت موافقتها.
عدا ما سبق، بدت نيودلهي مزعجة كثيرا من محاولات بكين التدخل في الشؤون الداخلية لدول حليفة لها مثل مملكة بوتان الجبلية، وكادت الأمور تصل إلى حد الصدام المسلح بين العملاقين النوويين في منطقة «دوكلام» الحدودية في جبال الهملايا قبل بضعة أشهر لولا تغلب الحكمة في آخر لحظة.
في المقابل، بدت الصين، طوال الأشهر الماضية، مستاءة من التحالف الهندي الأميركي الياباني الأسترالي المفترض، ومن الاتفاق الهندي - الفيتنامي حول سماح هانوي للهند بإقامة منصات ومحطات أقمار صناعية هندية على أراضيها لأهداف الرصد والكشف وجمع المعلومات عن التحركات العسكرية في مياه بحر الصين الجنوبي، ناهيك عن استيائها القديم من استضافة الهند لرموز المعارضة التبتية.
لكل هذه الأسباب كانت قمة «جينبينغ - مودي» مهمة لجهة خلق الثقة وفتح صفحة جديدة من التعاون الثنائي في ملفات الأمن والاقتصاد ومحاربة الإرهاب وقيادة آسيا.
فالتعاون هنا سيصب بالتأكيد لصالح الأمن والسلام العالميين، رغم أن البيان المشترك للقمة تحاشى الحديث عن الخلافات الحدودية المزمنة.
وفي اعتقادي أن تأجيل الحديث عنها كان متعمدا لأن من شأن التطرق إليها في هذا المنعطف خلق عقبة كأداء في طريق التعاون.
بقلم : د. عبدالله المدني

د. عبدالله المدني