كتاب وأراء

من الأغنى .. أنت أم هارون الرشيد؟

مقدمة:
بلغت الدولة الإسلامية في عهد هارون الرشيد أكبر اتساع لها في المساحة وأكثر ضخامة لها في المال، حتى أصبح هارون الرشيد مضربا للمثل في الغنى والرفاهية والملك إلى يومنا هذا...
المشهد:
يسكن هارون الرشيد في قصره المشيد، الذي يحتوي على مائة غرفة، وعشرة حمامات، وأربع حدائق ومطبخين كل مطبخ يتسع لعشرة إبل..
أنت أيها الموظف العادي، الذي يستلم راتبه أول الشهر فينفق آخر ريال منه في آخر الشهر..
أنت تسكن جارا لهارون الرشيد، في شقة متواضعة إيجارها الشهري يستهلك ثلث راتبك، تتكون شقتك من ثلاث غرف ومطبخ واحد وحمامين أحدهما سيفونه خربان..
بالتأكيد لا مجال للمقارنة بينكما، أين أنت وما تملك من الرشيد وما يملك..
أخذك الرشيد في جولة في قصره.. يا سلام، أذهلتك السعة في المال، والسعة في القصر، والتنوع في الغرف، وكثرة الخدم، ونعيم الملك..
ابتسم هارون الرشيد ثم جلس على سرير الملك وأجلسك قريبا منه، وعمل لك وليمة تتكون من خروف ومرق ورز ودجاج وسمك، وسقاك من عسل ولبن وعصير برتقال وماء.
في اليوم التالي دعوته أنت إلى شقتك..
جاء إليك في الموعد، دخل شقتك المتواضعة، كنت أنت محرجا منها، هارون الرشيد بكل ملكه وعظمته يدخل شقتك التي تشبه قفص دجاج في قصره؟
أول ما جلس على كنب صالتك شعر بكل معاني الراحة، كانت الكنبة مريحة بالنسبة لهارون الرشيد، لأن تحتها سبرينق مرن يأخذ شكل الجسم، وهذا غير موجود في قصر هارون الرشيد، حتى سرير الملك ليس بهذه الراحة في الجلوس..
تفاجأ هارون الرشيد بالبرد المنعش في شقتك رغم أنكما في عز الصيف، سألك عنه، فقلت: هذا من أثر التكييف الذي يجعلك تشعر شعور عز الشتاء في عز الحر، هز هارون الرشيد رأسه عجبا وإعجابا.
جئت إليه بكوب ماء بااااارد، شربه وهو يسرسح على كبده الحرى، استغرب هارون الرشيد وقال لك: أي نوع من الخياش والفخار تستخدم لتجعل الماء بهذه البرودة؟ ضحكت وقلت: هذا من برادة الماء التي تجعل برودة الماء دائما قريبة من التجمد، هز رأسه هارون الرشيد عجبا وإعجابا.
فتحت له التليفزيون، نظر إليه وانبهر به، ما هذا الصندوق الذي يحتجز الناس في داخله، تضحك أنت وتقول له: هذا هو التليفزيون، ونحن الآن نشاهد مباراة كرة قدم بين برشلونة وريال مدريد نشاهدها في الأندلس في لحظة لعبها الآن. يقول هالرشيد بذهول، نشاهد الأندلس ونحن في بغداد؟! هز الرشيد رأسه عجبا وإعجابا.
رن هاتفك النقال، رآك وأنت تتحدث فيه، سألك: مالك تكلم هذا الحديدة، ضحكت وقلت: هذا هو الموبايل، وأنا أكلم ابني الذي يعيش الآن في القاهرة. وفي ذهول قال لك هارون الرشيد: تكلم ابنك في القاهرة وأنت في بغداد؟! ثم هز رأسه عجبا وإعجابا.
جاء وقت العشاء، كان عبارة عن كباب وتكة وجكن فيليه وجيز برغز وكنتاكي وبيتزا، مع أنواع من العصائر المثلجة الممزوجة بالآيس كريم.
هز رأسه هارون الرشيد عجبا وإعجابا.
ثم أخذت الرشيد في جولة في سيارتك، كان الجو مغبرا، غير أنك حين أغلقت النوافذ ثم فتحت المكيف أصبحت وأنت تنظر إلى الغبار في الخارج وتعيش الهدوء والبراد والنقاء في داخل السيارة كأنك في جو آخر، تذكر هارون الرشيد أنه ومع ألف من خدمه حين يسافر وتضربهم عاصفة رملية يصبح في حيرة، إن أغلق عليه هودج بعيره يقتله الحر وإن فتحه يقتله الغبار.. سألك: ما هذه الدابة الرائعة؟ ضحكت وقلت: إنها السيارة. هز هارون الرشيد رأسه عجبا وإعجابا.
وقفت أنت وهو على تل صغير، تنظران إلى قصره المشيد وشقتك المتواضعة.. ومن شدة البعد لبست أنت نظارتك الطبية حتى ترى بشكل أوضح، قال لك هارون الرشيد: ما هذه؟ قلت: إنها نظارة لتحسين النظر، استغرب وقال: أرجوك، دعني أجربها فإني أعاني من قصر النظر، فلما وضعها ذهل وهو يرى العالم بالصورة التي خلقها الله بعد أن كان يرى كل شيء مغبشا ومضربا من شدة قصر النظر..
نظر إليك هارون الرشيد.. قال لك وهو يستعطفك: أرجوك يا جاري، هل تعطيني هذا النظارة فقط وتأخذ نصف ملكي..


بقلم : بن سيف

بن سيف