كتاب وأراء

إيــــــران ومصداقية ترامب

- 1 -
مرَّة أخرى يفتح دونالد ترامب الرئيس الأميركي أبواب التهديد والوعيد، بأنه سيفعل ويفعل، ولكن سرعان ما تكون المحصلة النهائية لا شيء ذا بال.
من قبل، هدَّدَ ترامب رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ بالويل والثبور، وتوعَّد بعمليَّات عسكرية عاصفة، وحرَّك أساطيله العسكرية نحوها، حينها وقف العالم على أمشاط أقدامه ينتظر ويترقَّب ما سيفعله هذا الرئيس الأميركي المُتهوِّر غريب الأطوار.
-2-
لم يحدث شيءٌ، بل انتقل ترامب بصورة درامية، من لغة الوعيد والتهديد إلى نهج شبه مُسالم ومُهادن.
بات يتحدَّث عن رغبته في مُقابلة كيم جونغ. السودانيون يطلقون على هذه الحالة (حديد يلاقي حديد).
وفي سوريا فعل ترامب ذات الشيء، وهدَّد بضربة عسكرية عاصفة وقاصمة لظهر نظام الرئيس بشار الأسد؛ لكنه لم يقم بأكثر من ضربات خاطفة ومحدودة وبلا أثر حادثٍ مُؤثّر.
-3-
هذا الاضطراب والتَّناقض بين الأقوال والأفعال، وضع ترامب في مقام السخرية اللاذعة من قِبَلِ الجميع.
وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، سار في ذات الاتجاه، رداً على تهديد ترامب بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، بذات طريقة ترامب في التعبير عبر تويتر، وتعامل ظريف مع ترامب بلغة أسواق العقارات.
إمعاناً في السخرية والتعريض، وضح من الفيديو الذي أعدَّه ظريف، أن إيران تعلم طبيعة وحجم الضغوط المفروضة على ترامب، من قِبَلِ حلفائه الأوروبيين، لذا سيُفكِّر أكثر من مرَّة قبل اختيار مسار المواجهة مع طهران.
-4-
إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، له حسابات عدة؛ فطهران لم تعد قوى إقليمية يسهل تجاوزها، أو تجاهل ردود فعلها.
يعلم ترامب أن نفوذ طهران تمدَّدَ في الإقليم بصورة غير مسبوقة؛ فهي مُتحكِّمة إلى حدٍّ كبيرٍ في مُعادلات الأوضاع العراقية.
ودورها في سوريا لا يغيب عن ترامب، فهو يعلم أن الأسد ما كان سيستمرُّ في حُكمه، إلى الآن، لولا الدعم الإيراني ومُساندة حزب الله على الأرض، والوضع في اليمن ليس بعيداً عن هذه المُعادلات والأصابع الإيرانية.
-5-
يبدو أن الولايات المتحدة، تُدرك جيداً حجم المخاطر التي يمكن أن تواجهها في الشرق الأوسط حال تصعيدها ضد إيران، حيث أورد مركز (أميريكن إنترست) للدراسات توقعات ردود الفعل الإيراني سواء من خلال تصعيد المُضايقة للقوات البحرية الأميركية في الخليج، كما بإمكان إيران احتجاز مزيدٍ من المواطنين الأجانب بتهم «التجسس» واستخدامهم كأوراق للمساومة مع الولايات المتحدة. أما الخيار الثالث، فهو استخدام حلفاء إيران في المنطقة لضرب المصالح الأميركية، مضيفين: «مثل هذه الهجمات ستبعث برسالة قوية في جميع أنحاء المنطقة، حتى وإن لم تصب هذه الصواريخ أهدافها أو تمّ اعتراضها».
-6-
يتفق أغلب المُراقبين على أنه مهما يكن من أمر، فإن قدرة واشنطن في هذه المرحلة على إحداث تغيير في موازين الأوضاع ضدَّ مصالح طهران وحلفائها يبدو محدوداً، بعد أن استطاعت إيران عقب سقوط صدام حسين التمدُّد في المنطقة العربية، وخلْق مراكز قُوى مُؤيِّدة لها سواء على المستوى السياسي والعسكري والأمني.
-أخيراً-
أغلب الظن أن ترامب لن يُلغي الاتفاق النووي الإيراني (بجرة قلم)، ولكنه سيكتفي بخطوات شبيهة بالضربة السورية الأخيرة، لتبرئة الذمَّة السياسية فقط لا غير، رغم أن ذمته باتت كثيرة الثقوب.

بقلم : ضياء الدين بلال

ضياء الدين بلال