كتاب وأراء

الوسط الذهبي


انغمست مع بناتي منذ فترة في ممارسة نظم غذائية شبه صارمة لسحق بعض الكيلوغرامات الزائدة من أوزاننا أملًا في حلم الرشاقة.
وكم وقفنا في مواجهات يومية مع الميزان حولت مزاجنا لرقّاص الساعة، فتارة سعادة طافحة لإنقاص بعض الغرامات، وتارات خزيان متواصل لزيادة غير متوقعة، ثم وإذ فجأة باهتتني صغيرتي بسؤال مفاجئ!
لماذا ألاحظ أمي أن الأطعمة الشهية ضارة بالصحة، بينما كل ما هو سيئ الطعم، مفيد وموصي به؟ على الفور تذكرت معنى جميلا ورد عن د. مصطفى محمود: «إننا خلقنا لنقاوم ما نحب ونتحمل ما نكره، فلقد ربط الله النجاح في الحياة بالانتصار على النفس»، مصداقًا لقوله جل وعلا: «لَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ». البقرة 249.
إذن، فلقد خلقنا الله في الدنيا لفرز واستخراج القليل من الكثرة، وكما ذكر المولى سبحانه: «وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين».
إذن، فلقد ربط الله محاربة العدو والانتصار عليه بمحاربة النفس. ففي الدنيا، نتقاتل في ساحات المعارك، فيما تشتعل حربًا ضروسًا أشد ضراوة بين العبد ونفسه، لكن مكانها المحراب.
فهؤلاء الذين يدركون أن الانتصار الحقيقي مكانه المحراب لا ساحات المعارك هم صفوة الصفوة.
فاللهم اجعلنا ممن يقاومون ما يحبون ويتحملون ما يكرهون، لنقاوم ما تكره لنا رغم حبنا له، ونتحمل ما نبغض كونك قدرته لاختبارنا.
وقد يتشابك هذا المعنى لكن لا يتعارض مع حب الحياة، فمقاومة النفس لا ترادف إهمال الحياة، بل ما أجمل ان تشتد شراهتك لوهج الدنيا، لكنك على هذا تجيد فن الانتقاء، فتختار الصالح وتترك الطالح. ما أجمل ان تمتنع رغم أنك تريد عوضًا عن أن تكون من الأساس «ما لك نفس في شيء». فلقد كان يحيى عليه السلام سيدًا وحصورًا فواجه اختبار فتنة «سالومي» ونجح بسهولة في صدها، كونه من الأساس سيدًا حصورًا. علمًا بانه قدر ورد ذكر يحيى عليه السلام في القرآن بعدة آيات فحسب، فيما أفرد الله سورة كاملة تحمل اسم «يوسف» كونه كان عبدا، لا سيدا ولا حصورًا، فجاء نصره على نفسه في صراع أعنف. فأفرد له الله سورة كاملة لضراوة مقاومته للشهوات إزاء اختباره مع «زليخة» زوجة العزيز. وللتقريب، دعوني أسوق لكم مثالًا، فكم أعرف نساء ورجالًا لا يحتفون بالطعام، بل يستطيعون بسهولة مقاومة شهوة الأكل ولو بإزاء بوفيه مفتوح، على أن الغالبية ذكورا وإناثًا يجدون صعوبة بالغة في مقاومة كعكة شهية. فلو أجرى طبيب تغذية نظاماً غذائيًا لسيدتين إحداهما لا تعبأ بالسكاكر فيما الأخرى تضعف أمام الحلو، فأحسب أن تقدير الطبيب للسيدة الضعيفة التي تمكنت من مقاومة الطعام رغم حبها له سيكون اكبر ممن استطاعت فقدان عدة كيلوغرامات من وزنها كونها من الأساس غير شرهة في تناول الطعام. لذا، فلطالما رفعت القبعة لمن لديه وهج الشراهة للدنيا، لكنه يتناول الحياة بقدر. ولطالما أعجبت بمن يعشق السباحة لكنه لا ينسى أن البحر غدار، فلا ينساق مع علو الأمواج كي لا تسحبه لعمق سحيق.
بقلم : داليا الحديدي

داليا الحديدي