كتاب وأراء

ما هي جذور العنف السياسي؟

شكل الصعود القوي للأحزاب والجماعات الإسلامية بتلويناتها المختلفة ومذهبياتها المتعددة أمرا لافتا في السنوات الأخيرة وتزامن مع اشتداد حدة الحملات الغربية على المنطقة (حرب أفغانستان والحرب الأميركية على العراق والتحالف الدولي ضد داعش) بالإضافة إلى المزيد من تصلب الأنظمة الاستبدادية وميلها إلى العنف المفرط خصوصا بعد اندلاع موجة الثورات العربية. وهذا التزامن أفضى إلى طرح السؤال حول الأسباب الفعلية لما يجرى في المنطقة العربية الإسلامية من تصاعد للعنف والإرهاب بأشكال مختلفة المظهر موحدة الجوهر. وتحاول الأنظمة المستبدة في المنطقة حرف البوصلة عن المسببات الفعلية لما يجرى والحديث عن ضرورة مراجعة مقومات الدين باعتبار أن ما يحصل سببه ما يتضمنه الدين (وتحديدا الإسلام) من تصورات تبرر العنف وتفضي إليه، تصور قد تتفق معه بعض القوى المغرقة في العلمنة أو القوى الغربية المناوئة بطبيعتها للإسلام غير أن ما يخفيه هذا التصور هو أن جذور العنف في المنطقة تكمن في بنية بعض الأنظمة السياسية العربية المغرقة في الاستبداد.
فالتطرف الذي تعرفه المنطقة العربية هو في جوهره سياسي حتى وإن حاول أصحابه منحه صبغة دينية، فثقافة الدم والإقصاء التي يروج لها البعض باسم التكفير الديني هي المكافئ الموضوعي للفكر الإقصائي، وما تعمد إليه الأنظمة من حرق مناوئيها أحياء في الساحات العامة وإصدار أحكام الإعدام بحقهم بالجملة هي النظير لما تقدم عليه بعض التنظيمات الدينية من قطع لرؤوس أسراها أو حرقهم أحياء فحالة الصراع هنا تجد جذورها في منطق الغلبة السياسي واجتثاث المخالف وإقصائه تماما من المشهد وتحت عناوين مختلفة. فالتكفير الديني للمخالف مذهبيا أو دينيا ليس إلا التمظهر الآخر لفكرة إلغاء المخالف سياسيا وإقصائه عن المشهد تحت مبررات مختلفة أبرزها الإرهاب. فهل يمكن أن ينكر كل مراقب موضوعي أن تصاعد الظاهرة العنفية للجماعات الدينية المختلفة (سنية وشيعية) تزامنت مع الغزو الأميركي للعراق ومحاولة فرض النموذج الأميركي الظافر على المنطقة بصورته العولمية المشوهة؟ وهل بالإمكان نفي الدور الذي لعبته بعض الأنظمة الاستبدادية في تفريخ جماعات الإرهاب إما مخابراتيا أو عبر دفع الشباب إلى العنف والفوضى من خلال التضييق على العمل السياسي والنشاط الحزبي المنظم؟ وهل تستطيع القوى الغربية إنكار أن التواطؤ الذي حصل ضد ثورات الربيع العربي ورغبتها في إفشاله هو الذي أفضى إلى الصعود الصاروخي للقوى العنيفة ولحالات القتل على الهوية وللتصفيات الغرائزية خارج كل شرعية أو قانون؟
إن الأزمة الحقيقة لا تكمن في مراجعة بنية الخطاب الديني في ذاته، رغم أهمية الفهم التنويري له بوصفه قضية عاجلة وملحة، وإنما في مراجعة السياسات الخاطئة التي تسلكها القوى الكبرى والأنظمة الرديفة لها بالمنطقة. فالاستبداد السياسي في كثير من أحواله يرتبط بأشكال من الانغلاق الديني أو الاعتماد على المنطق الطائفي وتكمن أوجه الخطورة فيه أنه يودي لا فقط بالحريات السياسية وإنما أيضا بالحريات الشخصية وهو في صراعه مع القوى السياسية المختلفة يحاول مصادرة حق المجتمع في التعبير عن التنوع والتعدد الكامن فيه وهو أمر نلاحظه في كثير من الأنظمة التي تحاول أن تجعل من نفسها صورة الوطن والناطق الوحيد باسمه.
إن الأزمة الحالية التي تعيشها المنطقة العربية هي سياسية بامتياز وأن الانغلاق السياسي هو الذي يفضي إلى كل أشكال الانغلاق الأخرى (بما فيها التطرف الديني) وأن الفرصة التي لاحت مع بزوغ فجر الثورات العربية لبناء أنظمة سياسية بديلة تحاول بعض القوى مصادرتها رغم أنها المتنفس الوحيد الممكن للتخلص من حالات الفوضى وانتشار العنف وإرساء نموذج للتعايش لا يقصي أحدا وهو ما يعني أن إقصاء تيارات الإسلام السياسي ووضعها في خانة العدو المطلوب رأسه لن يكون حلا بل سيكون المشكل الجوهري الذي سيفضي إلى الانقلاب على الساحة السياسية برمتها.

بقلم : سمير حمدي

سمير حمدي