كتاب وأراء

بين أم كلثوم ومذيع نشرة الأخبار

وحيداً يجلس على شرفة منزله المتهالك، يكتنفه هدوء الليل، بعيداً عن كل صخب القاهرة ومشاكلها التي ملأ ضجيجها مصر وما حولها.
هو لا يعلم أن الأحزاب كلها تدعي أنه فوضها للكلام نيابة عنه.. وأن الإعلاميين يدعون أنه وكلهم للحديث باسمه.
هو يجهل تماماً أنه يجلس على موقع جغرافي تعتبره الدول العظمى محور الكرة الأرضية، لذلك فالصراع مرير بينها على السيطرة عليه.
كل معلوماته عن السياسة أن السيسي هو رئيس مصر.
وكل معلوماته عن الاقتصاد أن رغيف العيش صار بجنيه، وأن صفيحة البنزين صارت بمائة.
وفي كل الأحوال هو لا يهتم بكل ذلك اهتمام المتابع، لأنه على يقين أن السياسيين لن يستدلوا على بيته وسط العشوائيات ليجلبوا له لبن الصباح أو فول المساء.
هو غير معني بمن يفوز بلعبة شد الحبل، إنما الذي يعنيه أن تنتهي هذه اللعبة، ليعود لقيادة سيارة الميكروباص، من التحرير إلى الهرم.
مصدر معلوماته كلها هم الركاب الذين يركبون معه، كل يوم يتخانقون أمامه، الزمالك والأهلي، والإخوان أو الجيش وفيفي أو إلهام.
يجلس كل ليلة آخر النهار أمام جهاز راديو صغير، ويستمتع وهو يصلح كوباً من الشاي الثقيل على نار البابور، وبين إصبعيه سيجارة يتلوى دخانها بين عينيه، يقلب مؤشر الراديو، فيجد أن كل الإذاعات تتكلم عما يحدث في بلده مصر، لا يهتم...
يكمل تقليب المحطات هرباً من السياسة وأخبارها، حتى يصل لمحطة بعيدة بالكاد يسمع منها صوت أم كلثوم تغني..
لسه فاكر قلبي يديلك أمان
ولا فاكر كلمة ح تعيد اللي كان
ولا نظرة توصل الشوق بالحنان
لسه فاكر لسه فاكر كان زمان كان زمااااان، يقف عندها ويسترخي ثم يسحب نفساً طويلاً من دخان سيجارته، غير أن الأخبار تأبى إلا أن تعكر عليه صفو الأغنية.
يتمازج صوت أم كلثوم مع صوت مذيع نشرة الأخبار وهو يعلق على الأحداث، فيحدث شيئاً يشبه الدويتو بينهما، حيث تردد أم كلثوم:
لسه فاكر قلبي يديلك أمان، ليدخل صوت المذيع فيقول:
سنعيد الأمان لسيناء وإلى مصر كلها..
فتقول أم كلثوم:
ولا فاكر كلمة ح تعيد اللي كان.
ليقول المذيع:
ولا عودة أبداً لما كنا عليه من الفوضى..
ويستمر الدويتو بين أم كلثوم والمذيع حتى ينزعج ويغلق الراديو ويطفئ السيجارة، ويدخل في بيته ويغلق عليه بابه وينام.

بقلم : بن سيف

بن سيف