كتاب وأراء

مصير المتفاوضين مع الغرب ماذا ينتظر كوريا الشمالية؟

تشيع عن العلاقة بالغرب صور نمطية عديدة. من بينها ما يتردد عن أن أي نظام سياسي خاصم الغرب ثم اضطر إلى مفاوضته إما أن تعرض للانهيار أو أُجبر على تعديل سلوكه. ولا تشيع هذه الصورة فقط بين منتقدي الغرب بل ويروجها الغرب بنفسه عن نفسه. خصوم الغرب يحذرون من خطورة الانفتاح عليه ومن التبعات بعيدة المدى للتفاوض معه لأنه يبقى من وجهة نظرهم عنصرياً متكبراً يصر على فرض رؤيته كاملةً على العالم. أما الغرب فكثيراً ما استعمل أدوات الفكر والاقتصاد والسياسة والإعلام ليروج صوراً ممجدة لذاته مثل المركزية الغربية والمهمة الحضارية للرجل الأبيض ونهاية التاريخ والانتصار المطلق في معركة الريادة.
وبعيداً عما يقوله الغرب عن نفسه وما يردده خصومه عنه فإن ثمة أدلة تشير بالفعل إلى أن أكثر من خاصموا الغرب ثم فاوضوه إما أن سقطوا أو اضطروا إلى تغيير سلوكهم لكي يستمروا. الاتحاد السوفياتي انهار لما انفتح على الغرب. الصين طبقت ممارسات رأسمالية غربية كانت تندد بها. كوبا تبنت سلوكيات جديدة لم تكن لتحدث لو لم تتفاوض مع الولايات المتحدة. كثير من النظم العربية التي وقفت خارج المعسكر الغربي اضطرت لتغيير سلوكها لما فاوضته وانفتحت عليه. ولا تعني هذه الأمثلة بحال من الأحوال أن الغرب على حق وأن غيره على باطل. فالعلاقات الدولية ليست صراعاً بين حق وباطل وإنما تنافس بين قوي وأقوى. والغرب برغم عيوبه وكل مشكلاته وبرغم ما بين دوله من اختلافات مازال يملك مفاتيح قوة عديدة تجعله أطول نفساً في معركة إسقاط النظم المخالفة له أو حملها على تعديل سلوكها.
وها هي كوريا الشمالية على موعد مع اختبار جديد لتلك الفرضية. فقد اختارت لأكثر من ستين سنة العزلة. رأت في الابتعاد عن الغرب بل وتخويفه بأسلحتها النووية وسيلة لردعه ومنعه من التفكير في إسقاط نظامها الحاكم أو تغيير سلوكه. ثم فجأة وبرغم تجارب صاروخية متقدمة واختبارات نووية متكررة وتهديدات خطابية حادة تبادلها «كيم يونج أون» و«دونالد ترامب» عرض الأول على الثاني عقد لقاء قمة والدخول في مفاوضات. وبسرعة وافق «ترامب». وإذا ما جرت تلك القمة فلابد أنها ستطرق أبواب قضايا كبرى وأن تتبعها تحولات جوهرية.
كوريا الشمالية تزعم أن اقتراح عقد القمة ليس إلا جزءًا من استراتيجية اتبعتها لفترة طويلة أجرت خلالها تجارب عسكرية مؤثرة حملت الولايات المتحدة على القبول بالتفاوض، وتروج بالتالي أن زعيمها سيذهب للقمة وهو في موقف قوة. أما الولايات المتحدة فأعلن رئيسها أنه سيترك قاعة المحادثات إن لم يجد التجاوب الذي يريده من الزعيم الكوري الشمالي. كل طرف يرسل للآخر إشارات تفيد بأن القمة لو انعقدت فسوف يحضرها وهو في موقع أفضل. وهذا تكتيك متوقع.
لكن الطرفين يعرفان أن الفشل بعد أن يلتقيا ستكون له عواقب وخيمة. ويعرفان أيضاً أن عليهما متى تفاوضا أن يقدما تنازلات. ترامب يسعى إلى سحب القوات الأميركية المحتشدة لحماية كوريا الجنوبية وإلى نزع سلاح بيونج يانج النووي. ولا يمانع في مقابل ذلك أن تُشطب العقوبات المشددة التي فرضت على كوريا الشمالية بموجب قرار مجلس الأمن 2375. بيونج يانج من جانبها تعاني صعوبات اقتصادية خانقة منذ عشرة أشهر بعد أن شاركت الصين في تطبيق القرار فأوقفت شحنات النفط وأغلقت الباب أمام وارداتها من كوريا الشمالية.
ولا شك في أن دخول الصين على الخط كان حاسماً. بكين تريد نزع فتيل أزمة تزعجها وتهدد نفوذها في شرق آسيا. كما أنها لا تريد أن تضيع فرصة وجود إدارة أميركية ترغب في خفض قواتها في شبه الجزيرة الكورية. ولهذا رأت أن الوقت قد نضج لكي تجري بيونج يانج تعديلات على سلوكها يمكن أن يقترب من بعض ما يريده الأميركيون ستكون الصين نفسها أكبر المستفيدين منه.
وإذا كان الرئيس الكوري الشمالي واصل سابقاً برامجه العسكرية من أجل حماية نظامه أمام الغرب، فإن الظروف الدولية المتغيرة بدأت تحمله على التفكير في حماية نظامه لكن هذه المرة بالتفاوض. وسوف يحقق مكاسب من تلك المفاوضات لو بدأت. لكنه سيدفع ثمناً. ولا يعرف أحد على وجه الدقة ما إذا كان الثمن مجرد تعديلات تنتهي بكوريا الشمالية على شاكلة أشبه بما اتبعته الصين عندما أبقت على نظامها الشيوعي مقابل تبني إصلاحات رأسمالية أم أن الأمر قد يصل إلى درجة أبعد قد تصل إلى توحيد شبه الجزيرة الكورية. هناك تغيير ستنطوي عليه تلك القمة لو انعقدت لكن أحداً لا يعرف بالضبط مداه. تغيير يمكن القول إنه بدأ بالفعل بمجرد أن دعت بيونج يانج واشنطن للتفاوض.

بقلم : د. إبراهيم عرفات

د. إبراهيم عرفات