كتاب وأراء

درس الكوريتين

هي لحظة تاريخية بالفعل تلك التي عبر فيها زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون، الحدود إلى كوريا الجنوبية للمرة الأولى منذ الحرب الكورية بين عامي 1950 و1953.
اللقاء التاريخي حظي بتفاصيل رمزية لافتة، من خلال العبور المتبادل لحدود البلدين، وزراعة شجرة السلام، والمصافحة الدافئة بين الزعيمين.
الأكثر أهمية وتأثيرا وتاريخية، من كل تفاصيل الزيارة والعبور الرمزي المتبادل لحدود الكوريتين، هو ما صدر عن قمة كيم جونج أون- مون جيه إن، حيث قال الجاران اللدودان، إنه «لن تنشب حرب أخرى في شبه الجزيرة الكورية.. سنغير اتفاق وقف إطلاق النار إلى اتفاقية سلام.. سنواصل الحد من التسلح تدريجيا، مع بناء الثقة وخفض التوترات العسكرية».
هذه العبارات عندما تخرج من زعيمي بلدين جارين، خاضتا حربا ضروسا لمدة ثلاث سنوات (1950 – 1953)، فتكت بملايين العسكريين والمدنيين، فلابد أن يسمع كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ألا سبيل للحياة إلا الحوار والتفاهم والتنازلات المتبادلة، وأن الطاولة، بيضاوية كانت كالتي جلس إليها زعيما كوريا، أو مستديرة، هي المكان الوحيد الذي لابد أن يلتف حوله الفرقاء، إن أرادوا أن يتفرغوا للحياة، ولمصالح شعوبهم.
ورغم تعقد الحسابات السياسية والاقتصادية والتدخلات الإقليمية، التي حرّكت بيونغ يانغ لإعلان تجميد برنامجها النووي، وما تلاها من خطوات، إلا أن الأمر في النهاية لا يخرج عن كونه، خضوعا لقواعد السياسة، وتماهيا مع دروس التاريخ، التي تقطع بألا حل لأي مشكلة أو خلاف إلا بالحوار، وأنه حتى الحروب ليست إلا مرحلة من أجل الجلوس على الطاولة.
من كوبا إلى كولومبيا التي تشهد حوارا سياسيا بين الحكومة والمتمردين، ومحاولات جادة لإحلال السلام.
يسير العالم في اتجاه الحوار، وإنهاء الخلافات، فيما سيبقى عالمنا العربي الاستثناء الوحيد في العالم، رغم أن لنا سابق تجربة، ففي حقبة التسعينيات استعر الخلاف في الجزائر الشقيقة، وبعيدا عن تفاصيل وأسباب ما أطلق عليها العشرية الحمراء أو السوداء، فإن مبادرات المصالحة ووضع السلاح والعفو والدمج، هي التي أعادت إلى الشعب الشقيق استقراره وأمنه.
المدهش أن الحوار والجدل بالتي هي أحسن، وقبل ظهور كافة النظريات السياسية، منهج إسلامي، أقره ديننا الحنيف، لكن المؤسف أن العالم كله يطبق هذا المنهج.. إلا نحن.
بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى